|  الآداب و الفنون  |  ساحة الشعر و الأدب المكتوب  |  ساحة الشعر والأدب المنقول  |  موضوع: مـــقـــالات فــــي الأدب : مــتــجــدد « قبل بعد »
صفحات: 1 [2] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: مـــقـــالات فــــي الأدب : مــتــجــدد  (شوهد 12863 مرات)
أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #15 في: 20/02/2010, 20:43:27 »




حــســن بــلاســم فــي أبــراج الــوحــدة :
الـجـهـر بـحـنـجـرة مـسـدودة

عـدنـان الـمـبـارك
أدب فـــــــــــــــن


في كل نصوصه يتكلم حسن بلاسم بحنجرة مسدودة عن (الطوفان) لكنه لاينطق أبدا بتلك : (من بعدي...). إنه مشغول بعذابه ومأزقه مما لا يعني أنه لا يكترث للوضع البشري العام، فهو واقف على خشبته أيضا. والأكيد أن عذابه الشخصي غير محروم من حالات للتماثل مع العذابات الأخرى. إذ أن المصدر واحد هنا : العالم الخارجي. الأمر يخص سبل الطرح، فحسن يستعين بكل حواسه الخمس التي تمهد الطريق لمخيلة توقظها الدهشة والصدمة عند التعامل مع واقع ملموس ضاغط بل ساحق الى حد اللعنة. إنها مخيلة كاميرا شرسة إن صح القول.كاميرا بالغة الحساسية يطوف حسن بها في كل مكان تجري فيه فصول جديدة من محنتنا - محنة القذف القاسي في عشوائيته، في زمكان فــُرِض علينا مع سبق الإصرار.

لا شيء نموذجيا و ليس هناك إلا القليل من الإنساني في عالم الإنسان، ولا في مملكة الرب أيضا. والمسألة تقتصر على أن هذه الكاميرا - المخيلة تأخذ بإنتقاء صور وتداعيات وتيارات وعي تحدث هنا، والآن وليس في بقعة أخرى من الكون. وبحكم معرفتي بحسن و فنه، هو ينفر من وضع ماكياج تفاؤل مضحك أو تصنـّع حشمة زائفة. لا شيء في وجهه سوى ما تركته اللعنات المُنزَّلة - تلك البصمة، بصمة إبهام شيطان أو رب حليف له. فهذا الفنان الذي يصارع الإثـنـتين - اللغة والصورة الفلمية ينفر من كل خداع للنفس وللآخرين أيضا. إنه عار ٍ ، وبراءته في عريه، وما يفرقه عن الآخر العاري - الوليد الذي قطعوا حبله السري قبل لحظات، هو أن في داخله قد مات أكثر من إنسان وبعد أن تعذب طويلا. لا نرى هناك حديقة غناء بل و لا شتلة ورد واحدة ولا فرقة إنشاد جيء بها لتمجيد الإنسان و الرب. بالأحرى هناك مسلخ تطوف فيه كاميرا لا تسجل فقط بل ترفع إصبع الإتهام للعالم الذي جرّ هذا الفنان الى ورطة تشبه ولا تشبه ورطات الآخرين. وما يدفعني الى الإستغراب أن بعضهم إختلط عليه الأمر ولا يفقه ما المقصود من فن حسن بلاسم الذي صار هاجسا لديه سلخ الجلد كي يرى ما تحته من نبض للحياة وإحتضار بطيء أو سريع لها.

واضح أن حسن يستغل أكثر من (موتيف) من آداب وفكر وميثولوجيات تبقى غريبة على ذلك البعض. هناك موتيف التشاؤم التأريخي، الشعور بالتراجيدي على خط هيراكليت - هايديغير، ومنذ سوفوكليس الى شوبنهاور، فكل هؤلاء هم ممن أدمنوا على التحديق في الصورة التراجيدية للعالم. واضح أن تضاريس الصورة تعكس هشاشة الوجود ووقتية حياة الإنسان الذي يناور واقعها بتكثيف أفعاله وقيامه بأكثر من محاولة مضحكة لمنحها المعنى. وفي كل مرة حين أقرأ نصوص حسن يخيل إلي أنه يقف وراء ستارة شفافة ويطلق قهقهة أو شتيمة على تلك اللعب التي إخترعها الآخرون : مستقبل وضّاء، جنّة الخلد، إنتصار العقل والمعرفة، دحر رهبة الوجود بدوغما الخلاص الديني والأخرى عن خطيّة وتقدم التأريخ، إزاحة الموت جانبا وكأنه ليس تكملة منطقية وأيّ كان عبثها. واضح أيضا أن حسن لا يفارقه غيظه في رحلة اليومي التي يعود منها ملطخا بوحله الذي يصوّره ، وهو محق، كوحش يهمّ بإفتراسه لكن جزءً بعد جزء. أكيد أن المبعث الآخر لهذا الغيظ هو أفعال العالم الأخرى بل صورته التي رسمها مرة أميل سيوران حين قال بأنها صورة عالم لا يملك فيه أيّ أحد حق المواطنة. في الحقيقة يدرك حسن عجزه عن (ترويض) كوابيسه أو ركنها في زاوية فلربما تزوره الأحلام التي يغيظه ندرتها، ولربما هي بالغة المكر وتتخفى في تلك الكوابيس.

لا يخفي حسن أبدا إشمئزازه من الحياة. وشأن سيوران يجد أيضا دفقة كبيرة من الإنعاش، ولكي يواصل حمل الصليب، في هذا الإشمئزاز الذي يدفعه الى رسم علامة المساواة بين الظفر في الحياة والخسارة. فكلتى النتيجتين هنا تسبب له الصداع والأرق، إذ ليس هناك من تراجيديا واحدة كأن تكون تراجيديا الجسد، هذه القارورة الهشة التي كان من الخطأ صنعها للإنسان. ومع كل خطوة يخطوها حسن تنخسف تحت قدميه أرض هذا الواقع المألوف والأليف. وإذا كان سارتر قد وقف طويلا عند الشرخ القائم بين الوجود والعدم نجد أن شكاية سيوران الذي ينصت حسن الى صوته الذي خنق اليأس كل نغماته، هي من شرخ آخر: القائم بين اللغة والواقع. الحال هكذا عند حسن: الواقع يسحق بثقله الخرافي اللغة. وهذه الحقيقة، وكما الزيت الملقى في النار، تزيد من حنق حسن وإحباطه (ولهذا قلت في المستهل عن حنجرته المسدودة). وهذا الشاعر البالغ الحساسية لا يخدع النفس بالحلم بحياة أخرى توفر ولو قدرا متواضعا من القناعة والسكينة. لا رجعة هنا عن الحكم الصادر : أن يسير هو على هذه القنطرة غير المتينة والممدودة بين حياة كهذه وموت مجهول. كهذه؟ يبدو لي أن حسن لا يريد في شعره ونثره مصيرا سيزيفيا ولا أيوبيا أيضا. إنه ضد دفع الصخور وضد الإختباء وراء صبر ٍ إرضاء ً لرب يفاجيء بشره على الدوام بعبثياته. حسن يذهب الى اليومي حانقا ويعود منه حانقا أيضا ـ فدورة الزمن هي الدوامة الأكثر قسوة: إنه إرهاب الزمن والوجود. وضحيته الأولى هو الإنسان الذي صار عند شاعرنا محض حواس متنقلة تتسرب الى كل الأماكن، المقدسة منها والموبوءة. واضح أن شعر ونثر حسن لا يملكان ولو ذرة ثقة بالإنسان و لا ذرة طمأنينة لحضوره الذي جاءت به بضع مصادفات لما قبل التأريخ، بل قد لا تبتعد عن مخيلته المحمومة صورة أخرى للحيوان العاقل: أن يكون باكتيريا تتكاثر عشوائيا غير مكترثة بالموت طالما أنه لا ينهي وجودها المحروم، في الأساس، من الغائية، أو من الأنسب القول: أميبا من الحقبة الباليوزويكية، تلك الهيئات - الأصل التي يسهل عليها مقاومة ذلك الإرهاب - إرهاب الزمن والوجود، حين تنشطر متكاثرة الى ما نهاية.

يدير حسن بلاسم ظهره لشتى صنوف الرومانسية و الغنائية وتلك العاطفية التي صارت لغة أخرى وليس لدى شعرائنا وحدهم، فلكم من قصص وروايات بل نقود تنضح بما في هذه الأوعية الأدبية الصدئة! بدل هذا كله يسجل هو بالصورة المباشرة التي لا تخلو من العنف، سقوطه اليومي. ويندر هنا أن يحقق ولو قدرا بسيطا من التآلف مع النفس والعالم والآخرين. فالجرح عميق ولا مكان هنا للكلام عن هدنة ما في مثل هذا القتال اليومي. العالم مطبق وساحق بكلى نوعي صخوره - المرئية وغير المرئية.

تناطح لغة بلاسم الأخرى - المعجمية، بل يبدو الأمر كأن هذه تريد أن تقمع غضبه وإشمئزازه، ومن هنا هذا الهجوم كتاكتيك دفاعي. إنه إنفجار الغيظ بل الشعور المفجع بأنه محاصر ومُدان بسبب ذنوب لا يعرفها، مما يدفعه الى الأخذ بالفيزيولوجي، بتلك الكلمات والصور التي لا تخدش إلا سمع المرائي الذي يتظاهر بأنه لا يعرف أي شيء عن وظائفيات جسده. ولكان كل شيء على ما يرام لدى المرائين لو كف حسن عن التنقيب في قعر الفيزيولوجي وصعد الى أعلى كي يعثر على ما يوائم ذلك السمع. وفي الواقع تكون ثانوية ًمسألة ُ إستخدامه تلك الكلمات، لكن لدى بعضهم تكون كل حجة مقبولة في المحاولة الرخيصة : تجريد مؤلف مثل (أبراج الوحدة) من قيمته ومرتبته.

حين أقرأ لحسن بلاسم يتضاعف يقيني بأن الكارثة قادمة. وهي ليست حربا بين البشر أو غضبا للطبيعة فاجأنا، بل كارثة من نوع آخر أخذت تتسلل الى دواخلنا منذ أقدم العصور، وكما الأفعى تزحف ببطء الى أن تحين لحظة اللدغة المميتة. واضح ان حسن لا يلهو هنا بتمثيل دور المتنبيء لكن كل مناخات (أبراج الوحدة) توميء الى حتمية تلك اللدغة. ودفعا لسوء الفهم علي التأكيد بأن حسن لا يرى في فواجع العراق فصلا منفصلا عن الفواجع الوجودية الأخرى، فتأريخنا الأحدث بأنظمته وحروبه العبثية تمضي مع الأخرى في ذات المجرى لأحد أنهار هاديس الميثولوجية، وليكن هنا نهر ليثه الذي يحلم حسن، وكما أنا، بشرب مائه كي نفقد الذاكرة تماما.

إن كتاب (أبراج الوحدة) ليس إعلانا عن ولادة شاعر عراقي أصيل فقط، بل ولادة كاتب يشق دربه المتميز عند التعامل مع كلى صنفي همومنا: المعاصرة والأخرى الوجودية.

« آخر تحرير: 20/02/2010, 20:48:56 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #16 في: 21/02/2010, 21:10:01 »



إرنـــســـتـــو ســـابـــاتـــو

من مقولاته :

"روحك تحكم جسدك مثل ديكتاتور صارم" (من رواية أبطال و قبور)

"العظم و اللحم ، و حدهما لا يكفيان لبناء محيا المرء ، لذلك فإن الوجه أقل مادية من الجسد إلى حد كبير" (من رواية أبطال و قبور)

"أريحية الدولة تجاه الفن أخطر من لامبالاتها"

"إن أيَّ تفحص ٍ لا يرحم ، يمكن أن يَـجُـر إلى مصاعب مع أغبياء و مُرائين"

جمع "إرنستو ساباتو" زبدة أفكاره و رؤاه ، ممثـلة بإختياره لصفوة ما كتب من مقالات في الصحافة الأرجنتينية ، ليضمنها كتابه الموسوم : (الكاتب و كوابيسه) .. الكتاب أعده تداعياً لجملة أفكار تبدو لأول وهلة مبتورة النسق متنافرة الأصول ، لكن مع الدخول الوجل لعالم كاتبه ، هذا الكائن اللاتيني (بأقصى طاقة للمعنى الذي يمثله هذا الإنتماء من تأويلات مرجعية و هوياتية) و الإعتياد تدريجياً على بنيته (الكتاب) المكـتـنزة باللامألوف من جرعات الرعب و الصدمة ، سيتم حينها التعاطي معه كتداع ٍ جدير بأكثر من قرآءة ، فهو منهج اللامنهج ، أو هو منهج المفارقات البنيوية التي لا تفضي إلى بنية بعينها ، منهج يملي على من يدخل اُتونه ، أن يخرج منه ليعود إليه متخفـفاً عن داء الحصافة ، فيدخله من جديد مستقرءاً ، لا قارءاً عابراً يحصد المعلومات ليزين بها رفوف ذاكرته ... ساباتو في كتابه ، يعتصر تاريخ فنون الكتابة الإبداعية ليهدينا تأرخة و توثيق قل نظيرهما لمعنى الحداثة في فن الكتابة بشتى ضروب خلقها .. سأختار أهم النصوص من الكتاب لنشرها تباعاً في هذا الشريط .. أسفار


« آخر تحرير: 21/02/2010, 21:20:02 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #17 في: 22/02/2010, 19:05:26 »


بعد اعادتي تقليب كتاب ساباتو (الكاتب و كوابيسه) الذي تحدثت عنه في المداخلة السابقة ، وجدت أنه من الصعب بمكان اختيار مقالات بعينها أو تفضيل نص من نصوص الكتاب على غيره ، برأيي فأن كل عبارة في هذا الكتاب لابد لها من أن ترى النور و يطلع عليها القارء العربي ، لذا سأبتدأ من أول مقالة ، على أمل أن أتم نقلها جميعاً إلى هنا ..

نسيت التنويه إلى أن مترجم الكتاب هو الأديب و المترجم العراقي عدنان المبارك ، الذي سأبدأ بمقدمته التي وطأ بها للكتاب و عرّف من خلالها بكاتبه ، قبل أن أبدأ بنصوص ساباتو ..



مقدمة المترجم :

يقول إرنستو ساباتو عن هذا الكتاب بأنه يوميات بل مجموعة شكوك لكاتب من أميركا اللاتينية يملك عذاباته الخاصة. وجاء أول كتاب لساباتو (الفرد والكون) الصادر في عام 1945 شهادة بارزة على تمزّق هذا الكاتب اللامع الذي أغرته العلوم البحتة رغم وعيه الفلسفي بعبث هذه الدقة العلمية كلها. في البدء درس ساباتو الفيزياء ونال درجة الدكتوراه ثم عمل لفترة من الوقت في معاهد باريس العلمية. و في منتصف الأربعينات يترك ، بلا رجعة ، العلوم و يتفرغ للأدب. وما كتابه المذكور الذي حقق شهرة كبيرة إلا ثمرة هذا التبدل الأساسي. وكان الكتاب مجموعة نصوص قصيرة حول شتى المواضيع بل عومل كمعجم فلسفي – أدبي من طراز غير مالوف. و يعود ساباتو الى هذا الشكل الكتابي في عدد من مؤلفاته إلا أن التقدير العالمي جاءه بفضل رواياته . ولغاية اليوم يعرف هو كروائي و ليس ككاتب مقال رغم أنه شخصياً يقدّر ذلك الشكل أكثر من غيره.
 
في (الكاتب وكوابيسه) يوضح ساباتو الأسباب التي دفعته الى إختيار العلوم البحتة وهي البحث عن النهج الرياضي المثالي (الإفلاطوني) ، عن النظام الذي لم يعثر عليه في داخله. وكانت تلك الفترة من حياته فترة الإيمان الوضعي بالعلم. إلا أن هذا الإيمان لم يبق طويلا. فالعقلانية الجافة التي تقود كل شيء الى أحوال الإعتماد القائمة على قانون السبببية ، الى القالب والصيغة الميتة ، قد أفزعت ساباتو. معلوم أن علم النفس قد أثبت ما كان موضع ريبة كتاب كبار وهو أن الكوابيس لا تتربص بنا عن قرب بل هي ، ولربما أخطرها ، في دواخلنا.

وتبدأ مغامرة ساباتو الفكرية وحماسه في البدء ثم شكوكه كإنعكاس حسّاس لتجارب عموم البشر. كما يجد أن الإنسان المتلهف الى السلطة أو الإستحواذ ينطلق صوب غزو العالم لكنه يخسر نفسه. وكما يقول فإن العقل والمال (الحقيقة التي صيِّرت عادية و ضغطت بالقالب الإقتصادي) هما تلك القوة اللاأخلاقية التي تغذي المعاصرة مما ذكرنا بقول كارل يونغ : العقلانية والمبتذل banal هما في الجوهر عاقبة الحاجة المتضخمة الى الدوافع والتي يتميز بها سكان المدن.
 
من ناحية أخرى فالقرن العشرون كان قد فصل نهائيا بين الحرية والتقدم و زاد من مرارة القول المشهور لنيتشه في أن التقدم قد يكون تقهقريا والتقهقهر تقدميا... يرى ساباتو أن الشك المُبرَّر بالحرية ، بصيغتها الغربية ، دفع وحتى الى التشكيك بالحرية نفسها ، وعلى الأقل أجلت مسألة تحقيقها الى أمد غير معروف. كذلك فالحرية لاتهبط من السماء بل ينبغي أن تشيّد من الصغائر اليومية وحتى المضحكة وغير السليمة منها ، والتي بفضلها لايضيع الإنسان في الجمع. أكيد ان ساباتو لا يقترح يوتوبيا جديدة . فصوت هذا الكاتب الكبير ليس إلا نداءاً إنسانياً عاجزاً.

« آخر تحرير: 22/02/2010, 19:11:45 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

السوسنة هيفاء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

الجنس: أنثى
رسائل: 342


< مِــــواااء >


الجوائز
« رد #18 في: 22/02/2010, 19:32:09 »


الكتابة لا تأتي من فراغ  مطلق بل هي أعمدة أوتدت فى جوف الصدر

مسيو أســفار

أسجل حضوري وإعجابي بـ هذا الإبداع  tulip

لك الود
سجل

الــ هيفاء قطة راق لها أن تعبث بـ التقويم فـ صعقها الرب بـ برق النضج

ومثلي لا يأتي مَرّتين أذنبــي أنــه لا يُشبهنــي أحد .. !

فـ أنا ظلٌ عاكس لايحكمه قانـون !
أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #19 في: 23/02/2010, 16:50:56 »


الكتابة لا تأتي من فراغ  مطلق بل هي أعمدة أوتدت فى جوف الصدر

مسيو أســفار

أسجل حضوري وإعجابي بـ هذا الإبداع  tulip

لك الود

 tulip

سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #20 في: 23/02/2010, 17:39:08 »


نصوص حول فن الرواية ، من كتاب ساباتو :  



بضع علامات سؤال :

هل الذين يعلنون عن أفول الرواية هم على حق ؟ ألا يعّد عمل من أعمال جويس أو بيكيت دفعا للأدب كله صوب العبث ؟ أليست الأزمة الكبرى لأزماننا هي أزمة للفن و سلخا تاما وعميقا للإنسان ؟ ألسنا نحن الآن في درب مقفل و لا يبقى أمامنا إلا إعتبار روايتنا شهادة مفككة لهذا التقوّض ؟ هذه الأسئلة جميعا تقلقني منذ أمد طويل ، فالأدب ، بالنسبة لي والآخرين من الكتاب المعاصرين ، ليس بتسلية أو هروب بل هو شكل ، وقد يكون الأكمل و الأعمق ، للتعرف على المصير الإنساني.

إن قضية ماهية الرواية وخاصة المعاصرة ، تكون في أوربا (بالنسبة لنا أيضا) الموضوع الدائم للنقاش ، ولسببين رئيسيين : حيوية هذا الصنف من الأدب والذي يتطور بصورة غير مالوفة رغم تنبؤات حفاري قبره الكثيرين ، كذلك رغم تبدلاته أو نقائه. وهذه الكلمات ينبغي أن توضع بين قوسين لأنها غير مناسبة على الدوام، إذ لا تخص عالم الأفكار الإفلاطونية بل الآخر ، عالم الناس غير النقي ، وذلك بأسلوب لايمكن تفاديه. لذلك فجميع الملاحظات حول نقاء الشعر والتصوير والموسيقى ، الشعر قبل كل شيء ، هي غير مثمرة تماما ، وهي ليست إلا لغطا.

وفي الواقع نعرف جميعا ما هو الخط المنعرج في الرياضيات أو ما هي هندسة المساحة geodesy ، وهي أمور ينبغي أن تحدد بكل دقة ، إذ هي تعود الى عالم الرياضيات. إذن فهي ليست نقية فقط بل قادرة على أن تكون شيئا آخر. والخط المنعرج المشوَّه الذي نرسمه بالطباشيرعلى اللوحة هو مجرد ظل تقوده محدودياتنا الجسدية الى تلك المملكة الإفلاطونية الشفافة الخالية من الطباشير واللوحات والأصابع التي تؤدي الرسم بهذه الغلاظة.

والآن ماهي الرواية النقية ؟ هوسُ إخضاع كل شيء للعقل ونتاج حضارة آمنت بصورة عمياء بذاك العقل الخالص(ويالها من طامة كبرى !) مما قادنا الى التصوّر الساذج بأنه في مكان ما ثمة نموذج أوليّ archetype للرواية يصعب مسكه ، ووفق الحسابات الفلسفية الطيبة ينبغي أن يكون مكتوبا بأحرف كبيرة : ا ل ر و ا ي ة. نعم بهذه الصورة ! وتدنو منه شتى أصناف الكتاب الفاشلين عبر محاولات خرقاء مما يشهد على سقوطهم غير المشرّف حسب ، وهذه المحاولات قد تسمّى بـ (الرواية) لكن بأحرف صغيرة.

للأسف أو لحسن الحظ ليس ثمة هناك من نموذج أوليّ ، وبكل إمتعاض وصواب أيضا ، لاحظ فاليري Valery (وما كان هذا الشيء عنده مدعاة للفخر) : “ إن جميع حالات الإرتداد ونبذه هي من طبيعة الرواية ". وهذا صحيح لامحالة. وفي ذات الوقت أو بصورة متعاقبة مرّت الرواية بجميع أحوال العنف شأن الحال مع البلدان التي تبيّن أنها خصبة ، بفضل ذلك ، في تأريخ الثقافة : إيطاليا ، فرنسا ، إنجلترا ، ألمانيا. لذلك كانت الرواية هناك رواية أحداث و تحليل مشاعر و تسجيل تحولات إجتماعية و سياسية . كانت ذات أفكار ، غير مكترثة ، متفلسفة ، بسيطة الروح ، بلاهموم ، ملتزمة جمعت في ذاتها هذا القدر من التناقضات ، وكانت ، ومازالت ، معقدة بشكل يصعب إيضاحه. و نحن نعرف أيّ شيء هي الرواية و لكن حين يسألوننا نتلعثم في الجواب. ففي الواقع أيّّ شيء يجمع بين أعمال مختلفة مثل (دون كيخوت) لثربانتث و (المحاكمة) و (آلام فرتر) لغوته أو (يوليسيس) لجويس ؟



الأفكار في الرواية :


يتمسك أحد الكتاب من أنصار (الأدب الموضوعي) بمقولة إن على المؤلف الإقتصارعلى وصف الأنشطة الخارجية ، المرئية والمسموعة ، لأبطاله وعدم تناول أيّ ظواهرأخرى ، فهذه زائفة ولاتقود إلا الى الخطأ. إن أدب زماننا قد نبذ الصواب والمعقول لكن الأمر لايعني بأنه ترك التفكير وصار ما يخترعه مجرد وصف لحركة الأجساد و الإنطباعات والمشاعر. ولايدعم هذه الأدب النظرة الموهومة والقائلة بأن شخصيات الكتاب تفكر وأن الناس ، سواء في الكتب أم الحياة ، لايسلكون وفق قوانين المنطق. ففي الواقع أمرنَا التفكير ذاته بأن نكون يقظين حين كشف في أزمان هذه الأزمة الشاملة عن محدوديته. من ناحية أخرى تكون الرواية اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى ، إمتلاءا بالأفكار وإهتماما بمعرفة الإنسان. والقصد أن لانخلط بين هذه المعرفة والعقل. فهناك أفكار في ( الجريمة والعقاب ) تفوق في العدد ماهو موجود في أيّ رواية عقلانية. وكان الرومانسيون والوجوديون قد تمردوا على العقلانية والتعرف العلمي لكن ليس ضد التعرف بمعناه الواسع. ووجودية اليوم و الفينومينولوجيا وكامل الأدب المعاصر هي شهادة على أحوال البحث عن تعرف جديد ، أعمق و أكثر تعقيدا وليشمل السر اللاعقلاني للوجود أيضا.


حول الأدب القومي :

نعم ، كان للروسي في منتصف القرن التاسع عشر نفس قضايانا ولأسباب إجتماعية متشابهة للغاية. وإحداها كان ما يسمى بـ (الأدب القومي) و الصراع بين أنصار التمغرب والبقاء السلافي . وروسيا الواقعة عند أطراف أوربا و ذات مجتمع ذي ذهنية إقطاعية تذكر قليلا بإسبانيا البلد الذي لم يمر، بصورة تامة أيضا ، بتجربة الرينيسانس ، وليس بصدفة أن أفضل فلم عن دون كيخوت قد أنجز في روسيا وأن شخصية ثربانتث أثارت ، تقليديا ، وعلى الدوام ، مثل هذا الإهتمام البالغ ، وكانت مفهومة بعمق في تلك الأرض غير العاقلة والجامحة. وبانَ هذا الشبه بوضوح أكبر ، في بعض المستعمرات الإسبانية وخاصة في الأرجنتين القديمة ذات السهوب التي لاتحدّ. مثلا آنا كارانينيا مع أصحاب المواشي والمربيّات الفرنسيات والموظفين الأثرياء البلداء و أصحاب الأراضي المحافظين والجنرالات ، كانت مفهومة بيننا بصورة رائعة. حين كنت أدرس في باريس في عام 1938 تعرفت في أحد المطاعم بشخص روسي (من روسيا البيضاء) سائق سيّارة ، أبدى دهشته من معرفتي و فهمي للروايات الروسية و أبطالها قائلا إنه من الصعب توقع هذا الشيء من الفرنسيين مما دفعني الى الإيضاح بأنني لست إستثناءا ، فهذا أمر شائع بين الطلبة الأرجنتينيين، وشعرت بأنني مضطر الى تحليل هذه الظاهرة الغريبة. هل قرأت يا سيدي (أوبوموف) "1" ؟ ونحن لو أبدلنا شاي مالك الأراضي ذات بشراب الماته"Mate "2 لكان أوبوموف أرجنتينيا من الطراز القديم : إنعدام التنظيم ، إحساس ما قبل الرأسمالية بالزمن ، السهوب الشاسعة ، الحياة البطريكية "3" لأسرنا العريقة ، التربية الأوربية والفرنسية ، الزهو بكل ماهومحلي و في ذات الوقت إحتقاره ، كذلك الشبه بين دكاترتنا في القانون واللبراليين والمثقفين الروس الذين قرأوا مثلهم ، كونسيديران Considerant وفورييه Fourier ، الغليان السياسي والثوري في أوساط الطلبة والعمال ، الفوضوية و الإشتراكية... إلخ. لهذه الأسباب إستطعت أن أتلقى (ملاحظات من تحت الأرض) بصورة أكثر إمتلاءا من تلقي أستاذ فرنسي عجوز يرى شخصيات دوستويفسكي مجرد وصوليي وعيٍ ، مخبولين ، برابرة غير قادرين على الحكم على الأفكار البيّنة والنقية ، كما أنهم عبثيون لايعرفون المسؤولية لدرجة إعلانهم أن اثنين زائد إثنين تعادل خمسة ، وبذلك يتحدون التقاليد التي يحافظ عليها الديكارتيون و المصرفيون الفرنسيون. إذن كيف بإمكان هؤلاء الموسكوفيين ، ونحن كذلك ، الإعجاب بثقافة الغرب الرهيفة ، بالثيران الأسكتلندية ، بالروايات الفرنسية والفلسفة الألمانية والحمّامات في بادن بادن والبلاجات وكازينوهات القمار الأوربية ؟

وبهذه الصورة ، وللأسباب ذاتها ، صاروا ، ونحن كذلك ، في مدار أوربا ، وهي صفة تقليدية ، سلافية وأرجنتينية شأن الفودكا و الماته رغم تصورات بعض علماء الإجتماع السطحيين الذين يرون ذلك شهادة للإغتراب. وفي كل الأحوال فهذه هي إحدى صفات طبيعتنا. فالأوربيون ليسوا بمدار أوربا . إنهم أوربيون ببساطة.

يبدو لي أنه قد جاء الوقت كي نواجه بجرأة واقعنا ، بدون تعال وبدون شعور بالدونية . فنحن قد نضجنا. ومن مميزات الشعب الناضج أنه قادر ، بدون ألم و خجل ، على الإعتراف بماضيه. أنا أتكلم عن الأراضي الواقعة على نهر ريو دي بلاتا وليس المكسيك وبيرو ، فهناك تبدو القضية بشكل مغاير نظرا لتراث الهنود الحمر الضخم. وفي الأرجنتين بُنيت المدينة و الثقافة على اللاشيء ، على السهل (بامبا pampa) الذي تقطعه القبائل المتوحشة. فكل شيء جاءنا من اوربا : من اللغة والدين (وهما العاملان القويان في نشوء الثقافة) ولغاية أكثرية سكان أرضنا. ونحن لو كنا حازمين وإستمعنا الى الذين ينكرون المرة تلو الأخرى علينا (الأوربية) لكنا قد كتبنا بلغة البامبا وعلى قشور بيض النعام. ولكان كل شيء آخر غير محلي ، كوسموبوليتيا ، معاديا للقومية. وليس من الصعب ملاحظة حجم هذه الهراء. فثقافتنا تنحدر من أوربا ، ولاحيلة في الأمر إذ ليس هناك مسائل للبت فيها. وكل جديد نخلقه ينبع من هذا الميراث الذي لو لم يكن لما كنا قادرين على خلق أيّ شيء. ولا أتذكر من قال لأندريه جيد إنه لايقرأ البتة كي لا يضر بأصالته. وإذا كان على الإنسان أن يقول شيئا جديدا فهو لايفقد هذه القدرة بعد قراءته لكتب الآخرين. عدا ذلك فهو أمر جديد أننا نعيش على قارة أخرى كبيرة ، وكل شيء هنا يملك ، قليلا ، معنى آخر رغم أن الأسس قد أخذناها من هناك. الثقافة الجديدة ، حتى اللغة جديدة ، ولدت حيث وقف (الغزاة) الإسبان على الأرض الأميركية : أنهارها الرائعة ، القمم التي تطال السماء ، السهول التي لاتعرف الحدود ، الثقافات المحلية ، الشموس و الأقمار ، الجمال و الفظاعة ، الأمطار والوحول ، ولدت كلها هذه الثقافة الجديدة سوية مع الناس الذي ظهروا هنا لإمتلاكها. ولربما تريدون أنتم أصالة مطلقة ؟ لاوجود لشيء من هذا القبيل ! لا في الفن و لا في أيّ شيء آخر، فكل شيء ينهض على ما كان ويصعب البحث في كل ماهو بشري عن النقاء التام . وكان آلهة اليونان (هجناء) أيضا ، كانوا (ملوثين) بالثقافات الشرقية والمصرية. كذلك ففولكنر خرج من معطف جويس ، وهكسلي من بلزاك ودوستويفسكي ، وبعض الصفحات من (الغضب و العنف) كما لو أنها تكرار لـ (يوليسيس). وفي طاحونة على فلوس The Mill on the Floss) لجورج إليوت تقيس إمرأة قبعتها أمام المرآة. وهذا مشهد من بروست أو بالأحرى نواته، و البقية كلها مجرد تطوير فذ ، سرطاني تقريبا ، لكنه تطوير. والحال ذاتها مع (بارتلبي Bartleby) لملفيل والذي سبق كافكا. وفي الأرجنتين تكون الظاهرة أشد : ثارمينتو Sarmiento (ملوّث) بجيمس فينيمور كوبر J.F.Cooper وشكسبير وشاتوبريان ولامارتين لكنه إستطاع أن يطوّع كل هذه المادة الغريبة كي يخلق عملا أمريكيا عظيما. وصار شيئا على الموضة الإستشهاد بآراليت Arlet الذي تلقى تربيته في أدب ديما Dumas وسو Sue وغوركي ورواية الصعاليك الإسبانية novela picaresca ودوستويفسكي وبول دي كوك P. De Kock . وما الذي يمكن قوله عن اللغة ، هذا الموروث الرائع الذي ليس بمقدورنا نبذه بل محظور علينا هذا الشيء. فهي شأن كل تركة ثقافية إزدادت غنى على يد الورثة الأفذاذ. وتملك مغزاها حقيقة أن اللغة الإسبانية المعاصرة قد تطورت في القرن التاسع عشر بفضل أدباء أمريكا اللاتينية من أمثال سارمينتو ومارتي Marti وكذلك روبن داريو R.Dario الذي كان سيّدها في مطلع القرن العشرين.

ينبغي تذكير كلّ من ينبذ العنصرالأوربي بأن كل ثقافة هي هجين ، وهي فكرة بالغة السذاجة أن يكون هناك وجود إفلاطوني لشيء أميركي. ومن هو قادرعلى الإفتراض بأن القبائل البربرية التي قطنت غابات ومستنقعات شمال أوربا ، بعد تلقيها للثقافة الرومانية المتفننة ، ولد الأسلوب الغوطي ؟ و إذا خص الأمر أميركا لنأخذ مثالا على ذلك الموسيقى الأفروأميركية. فقد خلق الزنوج الذين إحتكوا بالثقافة الأنجلو - ساكسونية ، في المحصلة ، العمل الأكثر أصالة في الثقافة الأميركية ، ولربما عملوا بالصورة الأكمل على تطور الموسيقى الجديدة. فكل شيء ينهض من إمتزاج روح الديانات الفريقية بفرق الكورال اللوثرية و أحزان العبودية والإيقاعات الزنجية والأغاني الأسكتلندية و الأيرلندية. وهذا التأثير شمل القارة كلها. فالموسيقى الشعبية في كل مكان من الشمال الى الأطراف الجنوبية تحوي العناصر الزنجية. و القائلين إن قارتنا لم تعط العالم شيئا أصيلا ، علينا تذكيرهم بجميع الرقصات الشائعة منذ بداية القرن العشرين والتي غزت العالم، فهي تنحدر من أميركا : الجاز بجميع أشكاله ، الموسيقى الأفروكوبية ، الرقصات البرازيلية ، التانغو الأرجنتيني. وإذا أدركنا أن الرقص الشعبي هو التعبير الأوليّ لكل ثقافة ، ولحيويتها ، فليس هناك من شك في الإسهام الأميركي. كذلك ينبغي الإشارة الى أن الجاز الأميركي والتانغو الأرجنتيني هما على السواء أشكال ثقافية ذات معنى كبير وأصالة بالغة. والتانغوهوالرقصة الشعبية الوحيدة التي تملك طبييعة مرتدة الى الداخل introvertive وعلى خلاف بقية الرقصات ذات الطبيعة المفتوحة. التانغو رقصة حزينة ، درامية ، تعبّر بشكل صائب عن الصفة الأساسية لشخصية الأرجنتيني : المرارة ، النوستاجيا ، النزوع الى التأمل ، خيبة الأمل ، الأسى.



الرواية البسيكولوجية والرواية الإجتماعية :


يهاجم أنصار الأدب (الإجتماعي) الآخر (البسيكولوجي) كشيء مضرّ و معادٍ للثورة . و أظن أن مجرى تفكيرهم هو كالتالي لا أكثر ولا أقل : المسائل البسيكولوجية تخص ، بكامل إمتدادها ، الفرد ، والفرد المنسلخ هو أناني لايكترث للعالم المحيط به والذي (يعاني) ، أو أنه معادٍ للثورة يحاول البرهنة على أن الأمر كله هو في الروح و ليس في النظام الإجتماعي ..إلخ.

قبل كل شيء ليس هناك من فرد منسلخ . فكل واحد يحيا في المجتمع و يكافح ويصارع أو يختفي. وليس موقفنا الإجتماعي لوحده ، والمليء باليقظة ، هو نتيجة لتلك الصلة المستمرة مع العالم المحيط بل كذلك الأحلام والكوابيس التي تولدها هذه الصلة. و إذا لم تأت التجارب ، وحتى تجارب أكبر أناني أو مُنكر للذات ، من حضوره في هذا العالم الذي قدر له أن يعيش فيه فمن أين تأتي وأين تولد؟ من موقع الرؤية هذا تعطينا الرواية وحتى الأكثر ذاتية ، وسواء أكانت بأسلوب أقل أوأكثر تعقيدا ومباشرة ، تلك الشهادة عن العالم الذي يعيش فيه بطلها.
 
أما ما يسميه أولئك النقاد بالرواية الإجتماعية فهو مجرد تصنع روائي ، خارجي ، سطحي. ونحن لانعرف أيّ كتاب (إجتماعيين) عاشوا في حقبة تولستوي ، وحتى لو كان أمثال هؤلاء لما تميزوا بالقدر الذي يسمح لنا بالسماع عنهم ، في حين أن عظماء الكتاب الروس الذين لم يضعوا هدفا لهم وصف الظواهر الإجتماعية كانوا قد عرّوا بشكل صارم روح الإنسان الروسي من تلك الحقبة ، كما أبقوا لنا صورة باهرة لذلك المجتمع . فأبطالهم لم يحيوا في الهواء ، إنهم جنرالات وبغايا و موظفون وطلاب. وأكيد أنه لا ينتج عن هذا أن في كل رواية يقدّم الكاتب شهادة للواقع كله. فإذا سقطت صخرة كبيرة في البحيرة تتصاعد موجة عاتية ، وإذا سقط حجر صغير يسمع صوته بالكاد.


الهوامش :

-1 (أوبوموف) إسم أشهر رواية للكاتب الروسي إيفان غونتشاروف (1859 – 1922) و يصوّر فيها بشكل متطرف كسل طبقة النبلاء و إحباطهم.

2 - شراب معتمد في بلدان اميركا اللاتينية يوخذ بنقع نبتة الماته.

3 - إستخدمتُ هذا المصطلح بالمعنى السوسيولوجي : نظام سلطة الأب.

« آخر تحرير: 23/02/2010, 17:44:24 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #21 في: 24/02/2010, 19:13:36 »



اقـتـحـام الـغــرف الـسـريـة لـبـورخـيـس


عبد الرحيم الخصار (شاعر مغربي)
الإمـــــــــــــــبراطـــــــــــــــــــــــور


أصدر الباحث والمترجم المغربي "محمد آيت لعميم" أخيرا كتابا بالغ الأهمية يضع القارئ من خلاله أمام تلك الصورة الكبيرة التي تشغل حيزا شاسعا في غرفة الأدب. أقصد صورة الكاتب العالمي خورخي لويس بورخيس. تكمن أهمية الكتاب في كونه يشمل أعمالا لبورخيس (محاضرات حول مفاهيم أدبية وفلسفية) وأعمالا أخرى عنه كتبها كل من جورج أروين وأمبرتو إيكو وليلى بيرون موازي وعبد الفتاح كيليطو وخوان غويتيسولو وآرون كيبيدي فارغا وبيار ماشري وأنطونيو تابوكي، إضافة إلى مكاشفات بورخيس واعترافاته من خلال الحوارات التي أجريت معه واستهل بها المترجم كتابه "خورخي لويس بورخيس أسطورة الأدب".

في مقدمة الكتاب، يجيب محمد آيت لعميم بشكل استباقي عن سؤال قد يطرحه القارئ "لماذا بورخيس؟": "إن المفكرين اليوم يحتاجون إلى ذكاء بورخيس، فهو كاتب يورث الذكاء، والقصاصون يحتاجون إلى أن يتعلموا منه كيف يبنون عوالم قصصهم التخييلية ويقولون من خلالها فلسفاتهم وأفكارهم، والفلاسفة يحتاجون إلى ريبيته وقلقه الدائم، والأدباء والكتاب والقراء في حاجة إلى موسوعيته وقراءاته، إذ بورخيس قارئ أكثر مما هو كاتب، والمتحذلقون يحتاجون إلى تواضعه وخجله الفطري".

يؤثر المؤلف أن يفتتح مواد كتابه الشيق بحوار مع ماريا قداما، زوجة بورخيس، كان أجراه معها في المنزل الذي استأجرته في مدينة مراكش خلال إقامتها هناك من اجل الإعداد للاحتفال الكبير بمئوية بورخيس، الذي أقيم في خمس مدن عالمية: باريس، مدريد، بوينس آيريس، جنيف، ومراكش طبعا.

تعود ماريا إلى طفولة بورخيس حيث كان لجدته الإنكليزية البروتستانية فضل كبير في إغناء رصيده من المعرفة والخيال من خلال قراءة الإنجيل على مسامع حفيدها وسرد قصص "ألف ليلة وليلة" وأساطير الهنود الحمر ومرويات ثقافة المايا، إضافة إلى ما قدمه له والده من شروح دائمة لمذهب الفلسفي المثالي.

كان بورخيس محظوظا لأنه عاش منذ طفولته في أحضان السرد والفلسفة، إذ تحكي ماريا عن عدد من الصفات اتسم بها زوجها ويمكن إجمالها في النقط الآتية: الهوس الكبير بالقراءة، عشقه للنمور، ميله للصدامية والسباحة ضد التيارات السائدة، حبه للثقافة العربية والشرقية عموما، افتتانه بشوبنهاور إلى حد أنه تعلم الألمانية من أجله.

كان بورخيس عاشقا للعالم، راغبا في الاقتراب من المعرفة الكلية. تقول زوجته إن إدمانه القراءة في المقهى والمكتبة والقطار هو الذي عجّل في عماه، وليس غريبا أن يعلن بورخيس في أواخر حياته أنه لا يريد أن يترك هذا العالم قبل أن يتعلم اللغة العربية. من أجل ذلك استقدمت زوجته أستاذا مصريا وكانت تتكفل هي رسم شكل الحرف العربي على راحة بورخيس كي يدركها.

استطاع آيت لعميم في حواره مع زوجة بورخيس أن يستدرجها إلى الحديث عن مدينته، مراكش، التي كان بورخيس عاشقا لها وتمنّى أن يعيش فيها، ووصف ساحة جامع الفنا في هذه المدينة بأنها مكان ساحر يجسد أحلامه الطفولية.

في الحوار الذي نقله المترجم عن "لو ماغازين ليتيرير" الفرنسية، يكشف بورخيس عن مرجعيته القرائية الشاسعة، وعن تحولاته الكبرى في خصوص تلك العلاقات السرية والمعلنة التي كان ينسجها مع المقروء، مبررا انتقال شعوره إزاء بودلير من العشق إلى الحذر. الشيء ذاته سيقع مع إدغار ألان بو وجلّ الشعراء والروائيين الرومنطيقيين، ليجد البديل في أعمال والت ويتمان حيث الإحساس بالسعادة الحاضرة والآنية لا تلك السعادة المرجأة التي يشغل مكانها الآن حزن متوهم أو حقيقي. يذهب بورخيس في هذا الصدد مذهبا متفردا إذ يرى أن الكاتب عليه "أن يلزم نفسه واجب أن يكون سعيدا بدل أن يلزم نفسه واجب ان يكون تعيسا أو مهمشا أو محتاجا الى الشفقة".

هذه النظرة المتشامخة الى الفن والى الكائن الخلاّق أو المتلقي، هي التي تسم أعمال بورخيس، حيث الانتصار لما هو إنساني، وحيث شمس المعرفة تغطي ذلك العتم الذي يخلقه الفراغ والإحساس بالضحالة والكآبة.

لا ينتصر بورخيس كثيرا للحيل والألاعيب السردية التي تحملها أعمال فولكنر أو حتى بروست. تجذبه أكثر فتنة السرد، لا القناع الذي يتزيا به، لذا سيتوب هو نفسه عن اقتراف ذلك معلناً أن لا جدوى من إضجار القارئ عبر تعقيد المسالك السردية وتوظيف شخصيتين مثلاً تحملان الاسم نفسه أو اسمين متشابهين في نص واحد.

تتبدى رمزية العنوان، "بورخيس أسطورة الأدب"، في الصفحات الداخلية بشكل معلن، انطلاقا من مواقف الكاتب، لن أقول السياسية أو الايديولوجية، إنما أسمّيها الإنسانية، وهذه هي الصفة الأنسب لكاتب في حجم بورخيس.

اقترح المترجم في كتابه اثنتين من أهم محاضرات بورخيس، "الاستعارة" و"الزمن"، وإذا كان القارئ يجد متعة جلية في قراءة الأولى التي تدرس الاستعارة في الآداب اللاتينية والاسكندينافية والأنكلوسكسونية والعربية وغيرها، فإنه في الضرورة سيحسب القلق والتوتر وهو يحاول تتبع الخيط الفلسفي الناظم لأفكار المحاضرة الثانية. ذلك أن بورخيس في مقاربته مفهوم الزمن، سيستدعي مفارقات زينون وتساؤلات القديس أغسطينوس ومقولات هيراقليطس وأفكار شوبنهاور وتنظيرات جيمس برادلي وعدد من الرياضيين والفلاسفة بغية الاقتراب من الإجابة عن سؤاله الجوهري: ما الزمن؟

يشمل الكتاب أيضا مقالات لكتّاب عالميين قاربوا المتن البورخيسي من مداخل مختلفة، فالكاتب الإسباني خوان غويتيسولو المقيم في المغرب يسعى إلى تبرير البناء الدائري لقصص بورخيس، بتأثره الكبير بالفكر الصوفي عموما وبالخيال الديني عند ابن عربي على وجه التحديد. ويقرأ عبد الفتاح كيليطو قصة ابن رشد لبورخيس من منظار يسائل المرجعية المعرفية المنتجة لهذا النص. ويقف أمبرتو إيكو عند إشكالية التناص، بينما يطرح أنطونيو تابوكي سؤالا غريبا: "هل وجد بورخيس فعلا؟"، متوقفا عند حكاية المجلة الفرنسية التي نشرت خبرا مفاده أن بورخيس لا وجود له وأن الوجه الذي نعرفه هو لممثل إيطالي وأن أعمال بورخيس هي من إنتاج عدد من الكتّاب اللاتينيين.

إذا كذّبنا هذه الحكاية التي تجعل من بورخيس شخصية أسطورية في المعنى الوجودي، فإننا سنصدّق في الضرورة، بعد قراءة الكتاب، أن بورخيس فعلا أسطورة، من النادر أن تتكرر في تاريخ الأدب.

« آخر تحرير: 24/02/2010, 19:16:13 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #22 في: 26/02/2010, 17:07:10 »




قـــــــــــــــــدّاس الــــــــــعـــــــــبــــــــــارة


عـــقـــل الــعــويــط
الإمـــــبراطـــــــــور


"حيث هناك جهدٌ في العبارة هناك شعر". جملة قالها مالارميه يوماً، وهي ليست اعتباطية، وليست من اللغو في شيء، كما أنها لا تنطوي على إهانة للموهبة الأدبية التي قد يكون في إمكانها، وحدها أحياناً، عندما تسيل، أن تجترح الأعاجيب فـ"تشيل الزير من البير"، بل قد يكون في إمكانها غريزياً أن تحفر الصخر – لا العبارة والنثر والنص والأسلوب والإنشاء فحسب – بحثاً عن الشعر الذي فيه. وهي، أعني الموهبة، لن يُغمَط لها حقّ في عملية الجهد هذه، إذ لا بدّ، بمباركتها، من العثور على الشعر، وإن تحت طيّات الصخر والنثر الدفينة. لكن، ما لي وللموهبة، الآن، فهي لا تحتاج مني، لا في هذا المقام ولا في غيره، الى تقريظ، لأنها ملاكنا الأدبي الحارس، نائمةً أكانت هذه الموهبة، أم متناومةً أم غافلةً أم ساهيةً أم كسولةً أم ساهرةً يقظى. فهي أُعطية، وتأتينا بالشعر من حيث لا شعر، ويصحّ فيها قول المتنبي :
أنام ملء جفوني عن شواردها * * * و يسهر الخلق جرّاها ويختصم".

المسألة التي يلفت اليها مالارميه، ليست مسألة موهبة تنوجد في الشخص المعنيّ، وقد تولد معه، أو تخترق وجوده بدون مكابدة، في إحدى لحظات الصعق الكيانيّ، وإنما هي مسألة جهد. فحيث هناك جهد، هناك شعر، يقول مالارميه. فكيف يكون ذلك ؟

أعتقد أن عباقرة العبارة، وهم عباقرة النثر، في العربية، وفي غيرها من اللغات، عرفوا هذا السرّ معرفةً نبيهة، ومنهم النفّري صاحب القولة الشهيرة "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، فذهبوا في العبارة، وهي لغة النثر، ذهاباً متأملاً، مكابداً، حافراً، حذقاً، ومجتهداً، الى أن عثروا في هذه العبارة النثرية على موهبتها الشعرية، اللامنتبَه اليها، بداهة أو تسليماً أو مواضعة. عباقرة العبارة والنثر هؤلاء، لن أضيّق عليهم الخناق "الإيديولوجي"، فأُدرجهم حصراً في خانة قصيدة النثر. فهم عباقرة عبارة ونثر، في كل زمان لغوي وأدبي، وخارج كل التسميات، بل أبعد منها. وهم شعراء بالموهبة، ولكنْ أيضاً وخصوصاً، بالجهد الذي تحدّث عنه مالارميه، والذي بتُّ، بتواضعٍ كليّ، أعرف بعض أُعطياته، وأتواصل فيها، معرفةً وتواصلاً، نثريين، جسدانيين، وصولاً الى النسغ الحيوي، كالذي يُجترَح منه الماء في الصخر، وكالذي يُجترَح منه الشعر في النثر.

قد يقول لي قائلٌ حصيف : ولكن نتيجة ذلك الجهد قد تتحصل من طريق المصادفة. لذا أسارع الى القول إنني لا أتحدث البتة عن المصادفة و"القضاء والقدر"، ولا عن "الصدفة الشعرية" التي تباهى بها السورياليون (وجميعنا)، ولا حتى عن ضربة النرد. بل أجزم، في وقتٍ أنا منحازٌ، نقدياً ونظرياً، الى عدم الجزم الشعري في شيء، أن مالارميه كان يتحدث عن الجهد الذي ينطوي على مكابدة لغوية وعقلية هائلة، تصل الى حدود العقل الصافي، أي الى الذهن الذي يعي مهمته الشعرية في العبارة والنثر، تمام الوعي، والى حدود التفلسف اللغوي و الكلامي فيهما، حيث هناك، أيضاً، ينخلق الشعر.

و أراني أكاد أقول ما أقول، ولكنْ برهبة وتحفظ شديدين : بدون الاستنجاد بالموهبة. ثم أراني مدفوعاً الى التدارك السؤاليّ الآتي : و لماذا لا تكون الموهبة، هي نفسها، كامنة، أيضاً، في ثنايا هذا الجهد بالذات، في دواخل ذهنه الكشّاف، القادر (كما الموهبة) على "رؤية" ما لا تراه البداهات والغرائز الأولى، وعلى التقاطه، ومغنطته... إلاّ من طريق المكابدات العقلية القصووية المجتهدة. مثل هذا الجهد، لا يؤتى إلا لمَن كان من "المجتهدين" اجتهاداً يصل به الى حدّ مطاحنة الحجر الفلسفي للغة، ومطاحنة سواه من أحجار كيانية وثقافية موازية. في هذا المعنى، الجهد هو بوصلة، وليس من طبع البوصلة، ولا من صفاتها التقريظية، أن تكون عبقريتها اللاقطة مقتصرة فحسب على الغريزة وبداهاتها. وإذا كان الجانب الغريزي الموهوب، قادراً، وحده، وبدون جهد، على اجتراح الشعر، فذلك قد لا يؤتى إلاّ من طريق المفارقات الشعرية والوجودية النادرة. حتى هذه المفارقات نفسها، لم يسجلها التاريخ الشعري في الخانة المضادة للاجتهاد. بل كان الجهد فيها يواكب الموهبة مواكبةً خلاّقة، بحيث لا يعود يُعرَف في خضمّ هذه المواكبة الكيميائية، حجم هذه الموهبة من حجم ذاك الجهد. ويعلّمنا التاريخ النقدي الشعري أن الاستثناء في هذا الباب ليس قاعدة. وهو لن يكون القاعدة، بدليل أن عباقرة الشعر، غالبيتهم التي يُحتَجّ بها، كانوا، وهم في الخضمّ، من حاملي البوصلة الموهوبة والمتعمشقة بالاجتهاد، تفادياً للغرق في اليمّ اللاشعري.

لماذا أثير هذه الإشكالية، إشكالية الجهد المنجب للشعر في العبارة والنثر ؟

جواباً أقول : ثمة كتب وكتّاب وقرّاء تجمعني بهم من الحين الى الحين قراءات وحوارات هاتفية، وغير هاتفية، مطوّلة، نتبادل فيها الرأي حول الأدب والفن والحياة. وهم في غالبيتهم، أي الكتب والكتّاب والقرّاء، من حَمَلة البوصلة الملتفَت اليها في هذا المقال. ويحصل أحياناً أن تلتقطني فكرة قوية، كفكرة مالارميه حول الجهد في العبارة والنثر والشعر، كما تلتقط الكهرباء أحدهم، وتمغنطه، وتصعقه، وتنمّيه، بدل أن ترديه كألفاظ منثورة، لا حياة فيها ولا شعر. وقد يكون من باب تعميم الفائدة المتحصلة لي، أن أجعل أصدقاءنا القرّاء الأدبيين، وسواهم من دارسي الأدب، والطامحين الى الكتابة الأدبية، يشتركون معنا في هذا "القدّاس الشعري"، الذي صحيحٌ أنه قدّاس غير إلهيّ، ومحض بشريّ، ويشبه أفعال الخبّازين والفرّانين المشتغلين بخبز العبارة، وبسواه من الخبز، لكنه يفتح باب الجهد الشعري على مصراعيه.

وإذا كان من عودة مفيدة الى جملة مالارميه التي وردت في سياق حوار طويل أجراه "جول هوريه" مع الشاعر، منشور ضمن "التحقيق حول التطور الأدبي" (باريس، شاربانتييه، 1891)، فلكي أعطي نصف خبزي هذا، الى الخبّاز الذي من حقّه عليَّ أن يشاركني هذه المائدة، ومن الندّ الى الند، لافتاً القرّاء الى أن مَن أهدى اليّ هذه العبارة، هو الشاعر والمثقف والقارئ الحصيف "هنري فريد صعب".

« آخر تحرير: 26/02/2010, 17:08:22 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #23 في: 12/03/2010, 20:58:10 »


عودة لنصوص ساباتو في فن الرواية :


الكاتب و الأسفار :

سواء أكان الأمر طيبا أم سيئا فالكاتب الحقيقي يتكلم عن الواقع الذي يعرفه منذ أن كان في المهد ، إذن عن الوطن ، حتى إذا بدا لنا بأنه يهرب في أحداث بعيدة زمانا و مكانا. قد يكون بودلير هو القائل بأن طفولتنا هي الوطن كما يخـيّـل إلي أنه من الصعب كتابة شيء أكثر عمقا ، بدون أن يرتبط بأسلوب مفتوح أوغير مباشر بالطفولة. لذلك فحتى المنفيين الكبار ، إبسن أو جويس ، نسجوا على هذا المنوال الغامض. وفي الأسفار ثمة شيء سطحي على الدوام. وعلى كاتب أزماننا أن يعمّق الواقع . وإذا كانت له أسفاره فهي ، وهنا تكمن المفارقة ، لأغراض التعرف الأعمق على الأماكن والناس من محيطه.


مشكلة الكاتب الرئيسية :

تكون الرواية ، بالنسبة لي ، شأن التأريخ و بطله : الإنسان ، صنفا غير نقي في جميع الأحوال. فهي لا تخضع للقوالب ولاترضخ للتقييد. وفيما يتعلق بأمور المشـّغل ، كل ما يخدم الأغراض المنشودة ، الأدبية ، أعتبره أمرا مبررا . لذلك يكون التجديد من أجل التجديد فقط ، أمرا غير أساسي. وهكذا فحين يوّجه إنسان القرن العشرين بصره صوب عالم اللاوعي والذي يجهله لغاية الآن ، يكون أمرا محتوما ومشروعا إستخدام المونولوج الداخلي . تفترض رواية اليوم الوصول الى الحقيقة عن الإنسان ولذلك يُرغم الكاتب على إستخدام جميع الوسائط المتاحة وبدون الإكتراث لقضايا مثل تماسكها وتجانسها. فهو تارة يستفيد من المجهر وأخرى من الطائرة. وهو أمر مضحك فحص الجرثومة بالعين المجردة ، و البلاد بالمجهر. وهذا هو أحد أخطاء من يسمّون بالموضوعيين ، وبصورة أعم ، جميع الذين يريدون القيام برحلة الى نهاية الحالة الإنسانية بواسطة ماكنة واحدة، أي حين يضحون بالحقيقة والأعماق من أجل وسيطة واحدة لا غير ، في حين أن المفروض هو أن يحصل العكس ، إذ لا شيء في الرواية يمكن أن يحدث على حساب الحقيقة. إذن هناك تدهوريون decadents حين توضَع الـ (كيف ؟) قبل الـ (ماذا ؟). وتبدو المسألة كما لو أن هناك فردا عليه الدوران حول الأرض في ثمانين يوما ، أراد القيام بذلك مدفوعا بالهوس الصرف ، على ظهر فيل أو دراجة هوائية ، رغم أن الدراجة لا تصلح لعبور النهر و لا الفيل لقطع طرق المواصلات السريعة ، فالهدف هنا هو الدوران حول الأرض في ثمانين يوما و ليس جعل الفيلة مشهورة أو زيادة عدد زبائن تجارة الدراجات.
إن كل كاتب كبير لايكترث البتة لإدعاءات هؤلاء (النقائيين) و مطاليبهم. لنتذكر فولكنر ، يقولون عنه بأنه لا يتـقـيد و لحد كبير بمتطلبات الموضوعية ، إذ يجري الإستشهاد هنا ، في كتابات الأكاديميين الجدد ، بـ (عثراته) ، كذلك يقارنون إبداعه بتأليف أحدهم المسمى هاميت Hammet . ليكن الأمر بهذه الصورة ! إلا أن تفصيلا صغيرا صار مُهمَلا ، وهو أن كتابة هاميت هذا كلها لا تساوي قصة واحدة لفولكنر ، عدا ذلك فهم لا يفهمون بأن هذه (العثرات) هي بالذات معيار عظمته وحيويته. لا حاجة هنا لذكر جويس الذي يكون عمله عرض لتقنيات الكتابة وأساليبها بدءا بالباروك الأكثر تطرفا ، عبر القالبية schematism الكلاسيكية بأشكالها الأكثر خشونة ، أو من الإنطباع الصرف الى الفكرة الصرفة ومن الوثيقة المفصَّلة الى الفنتازيات الأكثر جنونا.


الرواية الكلية Total Roman

ليس بمقدور الفلسفة أن تجعل الإنسان الذي مزقته حضارتنا متكاملا ثانية. لكن هذه المهمة ألقيت على أكبر الروايات ، كذلك فهي مسألة تتعلق بإستخلاص الإستنتاجات من أمر كان على الدوام رسالتها الطبيعية : منذ البدء ظهر الميل الى فهم الأمور ككل و لنذكر هنا مثالا واحدا هو (دون كيخوت) أو (غارغانتوا و بانتا غريل) ، وقد أراد والتر سكوت (حيث كان بلزاك قد وجده كاتبا نموذجيا) أن يجعل من هذا الصنف الأدبي حاصلا للتأريخ والتعرف ، للحوار والشعر ، للحقيقة و الأسطورة. بعد متاعب و مصاعب كثيرة ، كأن تكون الدراسة الأدبية قد نشأت ليس متعاقبة فقط بل بعضها ضد آخر ، فذلك الشيء لم يكن مجرد عملية بل تعايشا أيضا ، و بعد محاولات هدفت الأخذ بالسرد narration الصرف والتحليل الدقيق للمشاعر ، و أخيرا زوال الحدود بين الرواية والمقالة essay ، بعد كل هذا يمكننا اليوم أن نقول بأن المهمة النهائية للرواية هي طرح الرؤيا الكلية للعالم و أداء الرسالة التي قامت بها في الماضي ، الأسطورة والملحمة ، الحكاية الخرافية و الشعر ، الإعتراف والسكـتـشات sketchs . من المؤكد أن هذا الشيء حصل في أزماننا حين تحررت الرواية من الأحكام العلمية المسبقة التي أثـقـلت كاهل كـُتـاب القرن التاسع عشر و أعطت شهادة لا يقـيّـدها أيّ شيء عن حالة العالم الخارجي وبُناه العقلانية ، إلا أنها عبّرت في ذات الوقت عن العالم الداخلي و أكثر مناطق الوجود ظلمة ، حيث جرّت الى محيطها كل ما كان محجوزا للسحر و الميثولوجيا. بهذه الصورة غيّرت الرواية طابعها : من وثيقة إعتيادية الى شيء قد نسميه قصيدة ميتافيزيقية. كما يبدو فقد أخذت تحصل العودة ، هنا و بمعنى ما ، الى أفكار الرومانسيين الألمان الذين وجدوا في الفن أعلى تركيب synthesis للروح ، إلا أن الفن يُرسى اليوم على مفهوم أكثر تعقيدا ، و لولا الوقع الطنان لأسميته بـ (الرومانسية الجديدة الفينومينولوجية) ، و أظن أن هذا المذهب قد يحسم المسألة التي تصادمت حولها النظريات لغاية الآن : كيف على الرواية أن تكون بسيكولوجية أم إجتماعية أم ذاتية و هل عليها أن تكون رواية الوقائع أم الأفكار ؟ و مثل هذا المفهوم المتكامل والكلي يتجاوب مع الحاجة الى إستخدام جميع التقنيات .


الرواية و الأزمان الحديثة :

ينشأ الكثير من النقاشات العقيمة حول أزمة الرواية بسبب تناول القضية في سياق أدبي لا غير ، و لا أرى بالإمكان الوصول الى وضوح الرؤية أو إستنتاج حقيقي ما أو ملحوظ إذا ما نظرنا الى ظاهرة الرواية كنتاج ثانوي لدراما هي أزاء الأدب - خارجية بل أكبر بكثير - دراما الحضارة التي أنجبت هذا المخلوق الغريب ذي الروح الغربية و الذي صاره إختراع الـ (fiction) الروائي. إن ولادة هذه الحضارة و تطورها و أزمتها هي ولادة الرواية و أزمتها أيضا ، و إذا جرى فحص مشكلة الإختراع من زاوية الخلافات الأدبية أو إنفتاحه الألسني أو الأسلوبي أو محدودياته ، تكون نتيجة الفحوص هي البلبلة و العادية . فأيّ عمل ذهني وأيّ نتاج من نتاجاته لا يكون مفهوما و مقدَّرا إذا كان معزولا : لا الفن و لا العلم و لا المؤسسات الشرعية و لا ذاك الجهد الكتابي الذي يرتبط عميقا بكامل المصير الغامض للإنسان ، يكون إنعكاسا و شهادة لأفكاره و قلقه و آماله و تعبيرا ثرّا عن روح العصر. هذا لايعني على الإطلاق أننا نكرر الخطأ القديم للجبرية البراغماتية التي عاملت العمل الفني نتاجا لمختلف العوامل الخارجية ، مما لقي الإنتقاد الصحيح من جانب البنيـويـين ، لكنه يعني أن العمل الفني هو بنية معـيـنة و في ذات الوقت جُزيئة من بنية أوسع تكون مهمتها شبيهة بالبنية الميلودية للسوناتا و التي لا تعني شيئا إذا كانت لوحدها ، لكنها تكسب الأهمية حين ترتبط بالعمل الفني الكامل.

« آخر تحرير: 12/03/2010, 21:01:09 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #24 في: 19/03/2010, 19:41:10 »


الـــشـــعـــر فـــي مـــواجـــهـــة الله


مــنـى كــريـــم
الحوار المتمدن


إن أي حديث عن الله يواجه عقبات، حيث نصل إلى نقطة صعبة ومستعصية في تحديد ماهية الله وصفاته والرموز المتمثلة به. لقد رصد التاريخ الإنساني أول لحظة عبادة الإنسان للإله حين بدأ الرجل و المرأة يشعران بأنهم بشر . سأبتعد عن منطلق تحديد: “من” هو الله ؟ لأن هنالك من الكتب ما يبحث في هذا الصدد. ما يتم التسليط الضوء عليه هنا هو: كينونة الله في الشعر، و أركز على تجربة الشعر العربي الحديث . النقطة تنطلق من المتصوفة و تمر بعدة مراحل، البداية هنا مع تخيّل عالم سماوي أكبر يتسع أكثر من الواقع، يقول الفرنسي لويس ماسيغون: "الدعوة الصوفية كقاعدة هي نتيجة تمرد داخلي للوجدان على المظالم، و رغبة عارمة بتطهر داخلي للعثور على الله بأي ثمن". لقد تعامل الصوفيون المعروفون باسم " المخمورين " مع الله باسم العاشق (مثال : البسطامي) وكما فعلت أيضا رابعة العدوية والحلاج وغيرهم على خلاف طبقة أخرى من المتصوفة الذين اختاروا قدراً أقلّ من الروحانية. إن هؤلاء شعروا بضرورة تذوق اللوعة للاقتراب من تصور الله الشخصي، ومن نواته. حاول الحلاج الاقتراب من الله عبر التماهي مع صفاته ، الشعور به يتلبسه بكل نشوة : " أنا الحق " ، و هو ما تلاقى مع المسيح حين قال : " أنا الطريق و الحق والحياة " . لقد حاول الحلاج التدليل على وجود الله في العمق ، على أن هذا العشق الإلهي الذي يتلبسه ما هو إلا تمثيل للإنسان الذي يعتبر جزءاً من الله كما يؤمن المسيح في فكرة خلق آدم على صورته، لكن الحلاج يرى في العشق الخالص صورة الإنسان الإله :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته و إذا أبصرته أبصرتنا

أو في قوله : ما رأيت شيئاً إلا ورأيتُ الله فيه.

هكذا كانت علاقة العشق بين شعر المتصوفة والله ، حيث من لم يكن جاذبه الله لم يصل إلى الله على حد تعبير النفري. أما في تجربة الشعر العربي الحديث فكانت هنالك أساسات تكوين لهذا التعاطي مع الله شعراُ ، و انقسمت هذه التجربة إلى تيارين: التيار الأكثر قدماً << و هو المتأثر بأيدلوجيا المجتمع و أفكارها حول الدين، تلك الأفكار التي تقودها المؤسسة الدينية و كهنتها. لقد كان المسيطر في هذه التجربة الخوف الذي هو أول أمهات الآلهة - كما قال لوكريشس- ، الخوف المسمى بالخشية كوجه ألطف للعلاقة بين الإنسان و الله . التيار الحديث << و هو الناشئ مع خروج الحركات اليسارية في الدول العربية ، و قد اعتمد بشكل كبير على كسر التابوات ، بعضه يمارس التهكم و المحاسبة لـذات الله ، و بعضه الآخر يتعامل مع الله باعتباره كينونة مخلوقة ، بمعنى الخروج عن إطار العلاقة المقدسة والتحدث مع الله باسمه باعتباره آخر عادياً وغير مختلف .

ما أريده هنا هو استعراض بعض ما وصل إليه الشعر في حديثه مع الله في التجارب الحديثة ، التجارب التي تلت تجربة محمد الماغوط و نزيه أبو عفش ، لقد تأثرت التجربة الشعرية العربية الحديثة بشكل كبير على ما جلبته التجارب اليسارية من الأدب الآخر (خاصة التجربة الروسية) و هي غالبا ما حاولت إثبات خرافة الله ، و في الجانب الآخر و هو الجانب الأكثر أهمية و تماسكاً : التجربة السريالية . لقد كانت التجربة السريالية بمر التاريخ الحديث الأكثر بحثاً و تمحيصاً في فكرة الله، إنهم يرونها فكرة خرافية معيقة لهم و لاكتشاف الإنسان الأصلي و الحقيقي فيهم ، الإنسان الذي لم تشوهه وتقيده المؤسسة الدينية، و كان لذلك أن يخلق السريالي مفهوماً آخر للشعر، الشعر الذي يبحث عن نتيجة ما، كالسحر و الخيمياء والتشكيل و غيرها من مجالات حاول السريالي استخدامها للتوصل إلى ما يريده . من هنا نرى كيف يتعامل الشعر السريالي مع الله ، إنه يجده شيئاً قذراً، و سيئاً جداً، و قد درج الشاعر السريالي على تصويره بأقبح المشاهد، مثل ما قاله أرتو في ندائه الأخير لكي ننتهي من قضاء الله : "هل الله كائن ؟ إن كان فخـراء ، و إن ليس ، فليس"

أو ما قاله لوتريامون :
". . . ذات يوم ، اذاً، و قد تعبت من أن أتعقب بقدمي درب الرحلة الأرضية الوعر ، و أن أمضي و أنا كرجل سكران ، عبر دواميس الحياة المظلمة ، رفعت ببطء عيني السوداوين ، و قد أحدقت بهما دائرة كبيرة مزرقة ، نحو تجويف القبة الزرقاء ، و تجرأت على أن أخرق ، أنا الشاب اليافع ، أسرار السماء حين لم أعثر على ما كنت أبحث عنه ، رفعت جفني المرتاع إلى أعلى فأعلى إلى أن لمحت عرشا ، مكونا من غائط بشري و ذهب ، يتربع عليه ، بكبرياء أبله ، و جسده مغطى بكفن مصنوع من شراشف مستشفى غير مغسولة ، ذاك الذي يسمي نفسه الـ الله ! كان يمسك بيده جذعا عفنا لرجل ميت ، و ينقله ، بالتناوب ، من العينين إلى الأنف إلى الفم ، و حين يصل إلى الفم ، يمكنكم التنبؤ بما سيفعله به …" *

الشعر إذن في التجربة السريالية هو نقيض الدين كما عبر بنجاما بيريه في إحدى رسائله إلى أندريه بروتون .

و قريباً من التجربة السريالية أصل لإحدى التجارب العربية الحديثة ، ألا و هي تجربة صلاح حسن و المتمثلة بقصيدة حديثة له : " بريد الكتروني إلى الله " .

نص قصيدة "بريد إلكتروني إلى الله" – الشاعر العراقي صلاح حسن

عزيزي الله
لست مضطرا لمخاطبتك
على طريقة محمد الماغوط
ولا بطريقة فاضل العزاوي
فلدي إميل الآن .
يمكنك أن تجيب على رسائلي
بالضغط على ( Replay )
لدي أسئلة كثيرة
أنت مجبر للإجابة عليها .
لقد بلغت الخامسة والأربعين
وأظن أنني عاقل بما فيه الكفاية
كي أسألك عن واجباتك .
ما الذي تفعله طوال اليوم ؟
هل تقرأ الصحف ؟
هل تستمع إلى الإذاعات ؟
ألم تسمع في خطب الجمعة
شيئا عن العراق ؟
هذا البلد الذي رفع اسمك عاليا ...
لماذا لا تحرك ساكنا ؟
هل أنت ميت ؟
وما نراه سوى تمثالك ؟
أريد أن اعرف فقط
فقد بلغت الخامسة والأربعين
وما زلت جاهلا وظيفتك في حياتي .
لديك كل شيء هنا :
الفاكس والتلفون والإيميل ..
أرجو أن تقدم لي شرحا مفصلا
فليس لدي وقت أضيعه
مع أشخاص مثلك .

هذه القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر الخارجة عن المألوف و المتداول ، لكنها بنفس الوقت ذات عمق واضح و رؤية بسيطة . لربما يحاول الشاعر في قصيدته هذه استغلال عولمة الأشياء و التي مازالت غريبة في دخولها على الأدب ، بذلك يكون قد تناسخ صنف أدبي جديد . لقد كلّم موسى الله فوق الجبل ، و كلمه عيسى وهو في طريقه إلى أورشليم ، و كلمه محمد في قلبه ، كما كلمه الحلاج بكينونته الكاملة .
الأحاديث البسيطة مع الله ، و التي تبدو كمسامرات بشرية درجنا عليها سابقا ً ، كما فعل محمد الماغوط ، و كما بحث هذا الشاعر نفسه في مسألة : أين تضيع دعواتنا ، هل هنالك من يسرقها في السماء السادسة ؟ .. و كذلك نزيه أبو عفش الذي جعل الله يبكي و يقف فوق سقف الخ .. ما يطرحه صلاح حسن هو برأيي إيضاح لإحداثيات الإنسان اليومية عبر مقارنة بين الرب المرفّه و الإنسان المُتعب، الأمر لا يقتصر فقط على الإحباط الذي نشعر به تجاه الله بعد قراءة النص، إنما هو في ذاته دعوة إنسانية، دعوة إنسانية من شاعر يحاول تخليص نفسه من الاكتراث بالإله بما أن هذا الإله بدوره لا يكترث له. قد يتهم الكثيرون صلاح حسن بأنه أراد إثارة إشكالية عبر هذه القصيدة ، كما اتهموا من قبل الشاعر الأردني موسى حوامدة في شتائمه لله و الحديث معه بشكل يتطرق للجنس و ما شابه ( قصيدة سبحاني – موسى حوامدة ) .. قصيدة صلاح حسن تحمل أسئلة كثيرة و صعبة ، هي شبيهة بأسئلة الأطفال ، كل طفل يتساءل : من هو الله ؟ أين هو ؟ لماذا لا يزورنا ؟ لماذا أخذ ذاك الشخص عنده ( كناية عن الموت ) ؟ إذا كان طيباً لماذا لم يمنحني لعبة ؟ الخ .. أسئلة صلاح حسن مشابهة لذلك ، أنا لا أنكر الاقتراب في أسلوبه إلى أسلوب التهكم السريالي ( وهنا التشابه بين الشاعر والتجربة السريالية تشابه في الأسلوب والظاهر لا في الغاية ) ، لكنه يسير نحو موجودات ما بعد النص ، موجودات لا يجب أن نحصرها في كون الشعر جُملاً و صوراً شعرية جميلة ، بل أنه يتم عبر ملامسته للبعد الإنساني و علاقته مع هذا القاطن فوق سطح الأرض !! و كأنني بكل صراحة أشعر بصوت هذا الشاعر يحاول إلغاء كل تصوراتنا التقليدية عن الشعر ، لم يطرح صورة جميلة في نصه أبداً ، لكنه أبرز صورة "إنسان" ، الأمر يجب أن لا يقتصر على فكرة ( نص إشكالي ) ..

النموذج الثاني : بارانويا الله – للشاعر السوري فراس سليمان محمد

1
الله الآن خائف .. خائف في قبوه كما أحد لن يتخيل
عجوز دون أن يمسّه زمن لا يستطيع أن يستند إلى الكتف المتعبة لذكرياته
لا يستدعي التشابيه ليبرهن .. كم يرتجف .. لا يقول كلاما
بطزاجة يترهّل في الخانات العتيقة للجوهر
في اللحظة الضيقة المشدودة بين ما يحدث وما لم يحدث
الله الذي يخيفه كل شيء خائف .. خائف

2
أنا الله الذي ضيّعوه عندما وجدوه ، حان لي أن أتكئ إلى نفسي وأبكي
أنا الله ولا أحد ليساعدني لأكشّ هذا البرغش الكوني الذي يحطّ على أحلامي
سبحاني كيف رضيت بالخديعة حتى تقطّن قلبي
كيف رضيت بالاسم وأنا أعرف أنه سيصبح جسدا
سبحاني كيف وهبتهم متاهتي سؤالا ليخلقوني من طين وخوف
أنا الله حان لي أن أحيل ملائكتي وجندي إلى التقاعد
أن أحوّل الجنّة والنار إلى أرجوحة
حان لي أن أترك هذا العرش للفراغ أو على الأقل لرطوبة ندمي

3
يرغب الله أن يعرق أن يتعب أن ينام
أن يذهب إلى السوق ..
أن يتلمّس قطعة الحلوى تذوب في بنطاله
لأنه يخفيها عن أصدقائه النهمين
أن يقامر أن يخاف ... أن يشتهي كل الجميلات ثم ينزوي وحيدا في غرفته
أن يصبح كالعاديين أو كالعباقرة الفاشلين أن يعتزل كي يختلف
أن يسهر كعاشق ... كحارس ... كمريض ، أن يكون أبا لفتى طيب أو شرير
يرغب أن يشارك في مظاهرة ضده .. أن يجادل الذين استبدلوه بما هو أسوأ
يرغب أن يساء فهمه بطريقة أخرى .. أن يؤلف كتابا قابلا للنسيان
أن يبكي فيشفق عليه أحد
أن يحب الطبيعة .. أن يكره الحياة التي يصنعها الرجال الذين صورهم تملأ الشاشات
يرغب أن يكون بسيطا وساذجا كالمؤمنين به
مدعيا كالذين يكفرون به ، خائبا وحساسا كالذين مازالوا يفكرون فيه
يرغب الله أن يحب امرأة يأوي إليها ثم يسأم منها ، يرغب الله أن يكون امرأة
أن يعرف لماذا الموسيقى تحيله إلى لحظة واسعة ومحبوسة في شكل
يرغب الله أن يشقّ قميص الكلمة الضيق الفضفاض .. أن يذعن لنداءات جسده
يرغب الله أن يحلم .. يرغب الله أن يحيا ... يحيا
حينها لا بأس غدا أو بعد غد أن يموت
يرغب الله أن يكون .

في المقاطع السابقة هنالك ثلاث قفزات : الله ، أنا ، الله . المقطع الأول يتعامل مع الله باعتباره شخصاً عادياً بعيداً عما يلفه من قداسة، و يصفه من الجانب السيكولوجي حين يشعر الله بما خسره على الصعيدين : ذاته ، و خليفته (الإنسان). إن الشاعر هنا يجرد الله من الأسماء الـ 99 التي امتلكها في مقابل تشبيهه بالإنسان ، بل و منحه فرصة لكي يكون ببساطة الإنسان وهذا ما سيحصل أيضا في المقطع الثالث . لا يوجد في النص أية دلالة على أن الله هذا هو الإله سوى مسمى " الله " ، فالصفات المذكورة في المقطع الأول على الأقل تمنح الله عمراً محدداً و ذكريات ، و تحسراً ، و ندماً ، و غيرها من حالات يختص بها الإنسان من الجانب السيكولوجي. الشاعر هنا يتكلم عن إنسان أصبح إلهاً ، عن خرافة أصبحت إلهاً ، إنه يجرد الرب من صفة الكمال و بنفس الوقت يمنح الإنسان الاقتراب الشديد من الله العادي في جوهره وغير العادي في مظهره أو على الأقل فيما وصلت له العقائدية الدينية و الفكرة الدارجة الهشة .

لا أعلم إن كان بامكاني أن أربط بين فكرة فراس سليمان التي بنى عليها المقطع الثاني من هذه القصيدة في أنها تضاد لجملة النفري : " وقال لي أنا الله لا يدخل إلي بالأجسام، ولا تدرك معرفتي بالأوهام " . إنه في المقطع الثاني يدخل إلى الله بشكل جسماني ، و نلاحظ هنا أنه تحول من النفساني في المقطع الأول إلى الجسماني في المقطع الثاني ، و يحدده بجسد الإنسان و التي بلا شك تعتمد على أسطورة خلق الله لآدم على صورته ، لكنني بنفس الوقت لا أعتقد أن فراس سليمان أراد ممارستها هنا ، فهذا الجيل الشعري الجديد ، يبتعد قليلاً عن الاعتماد بشكل كلي على النصوص التأسيسية و المعرفية ، و يحاول خلق نفسه خالصاً .. إن فراس يشفق على الله ، يحاول أن يعوض خسارات الإنسان الذي إذا ما قمنا بمقارنته مع الإله سنجد محدودية قدراته ، فهو حسب المفهوم الديني لا يتصف بالكمال و صاحب خطيئة منذ ولادته إلى موته ، و أنه لا يستطيع أن يعرف كل شيء خاصة أن هذا بحد ذاته مؤذي له – أقصد الإنسان - ، دمج الله في الإنسان هنا لا يقف عند الفكرة الحلاجية العاشقة ، بل أنه يتعدى بحيث يصبح علاقة مودة بين الله المنكسر و صديقه الإنسان المنكسر هو الآخر، يحاول أيضا أن يهمش قداسة الله و وجوده و ما قام الإنسان بتحميله من تابو و مهمات إلى الله .

المقطع الثالث ، تعدى الشاعر الجانب النفسي و الجسماني للرب ، و دمجه بحيث يكون نفسجسماني ، فيقوم باستعراض عضلات الشهوة الإنسانية و المتعة المتلونة بعدة أشكال ، عبر مرور متقن بمحطات الإنسان الحياتية في عمره و وصولاً إلى موته ، حيث مظاهر الحياة المختلفة التي ذكرها الشاعر كرغبات يريدها الله و يتحسر عليها تُمثل الطفولة و الشباب و من ثمّ تتمثل في جزئية وحدة الإنسان و عزلته تلك المرحلة الفاصلة ما بين الموت و الحياة ، و أخيراً مواجهة شبح الموت بكل حب بعد هذا القسط المتواضع مع الجمال ، الجمال في أن تمارس أبسط مظاهر الإنسانية .ليس بامكاننا أن ننكر مسألة الرمزية التي يستخدمها بعض الشعراء في حديثهم مع السلطة باعتبارها إلهاً .
الشاعر هنا لا يتحدث مع الله ، لا يكترث له أبداً ، صحيح أنه يغيظه بحياته الجميلة ، و يشفق عليه أحياناً ، و يصاحبه أحياناً أخرى ، لكنه أيضا ً يحكي عن روعة أن تكون إنساناً تمارس كل هذه الأشياء التي حُرمت منها الذات العليا التي يتصورها الإنسان أكثر حظاً منه ..


النموذج الثالث : بسم الله – للشاعر العراقي أحمد عبد الحسين

أنتَ يا بئرَ العطش
يا كنزاً أسودَ في فم الذئب
دعْ قنديلكَ الناطقَ بالأعاجيبِ يضيء اسمَ العراق، ارفعْ خرقتَكَ التي عصبتَ بها وجهَ بغدادَ، اجمعْ زينةَ الحربِ من عتباتِ البيوتِ، أجعلْ بنادقَهم مكانسَ لئلا يقتِلوا أو يقتَلوا، انفخْ سراجَك الذي يشعّ ظلمةً في ليل أمّي، ولا تتركْ حبيبتي تخرج خائفة من البيتِ إلى الجامعة ومن الجامعة إلى البيت، بل أختمْ على قلبِها بأبعدِ نجومِكَ حتى تعرفَ ـ وهي تشدُّ لك حجابَها ـ أنك العاصفةُ وقد ابتسمتْ أخيراً بعدَ طولِ خراب.
أنت أرعبتَ قلبَ صغيرتي وقد آنَ لها أنْ تلمسَ قلبَك.

أما ملائكتُك الجوّابون من زاخو إلى الفاو، الملائكةُ الملثّمون ذوو البراثن والأنياب، فأرجعْهم بأحزمتهم الناسفةِ إلى الصحراء، واجعلْ لهم بئرَ عطشٍ يستقون منها إلى أبد الآبدين.

و إذا جاءتك نساؤنا بسلالهنّ ملأى بثمرات أرحامهنّ فلا تملأها بحصتك التموينيّة حَسَكاً وخبزَ مذلّة، ولكنْ بالقليلِ القليلِ مما في خزائن غيبِك المكنونِ، بنكهةِ الفجرِ املأْها ورفرفةِ طيورٍ بيضٍ يضربْنَ بأجنحتِهنّ في صلاة العشاء، أغرِقْ عيونَهنّ كُحلاً وقلوبَهنّ كركرةَ أطفالٍ لئلا ينشغلنَ عن الصلاة إليك بأسماءِ أبنائهنّ، من مات منهم ومن هربَ.

يا بئر العطش
دُلَّ الهدهدَ ، هدهدَ آبائنا المعدانِ، على ينبوعِ الهواءِ السريِّ فقد تكسّرتْ أقدامُ أرواحِهم حزناً عليه،
اجعلْ جبالَ الأكراد ذهباً وشلالاتهم فضةً لأنهم منذ 1988 لم يختموا قرآنك ياربّ، كلّما وصلوا سورةَ الأنفال ماتوا وبيعتْ نساؤهم في الأنبار.

و بعدُ
فأنتَ أمرتَنا أن نبذرَ عظامَ أطفالنا وقلتَ انتظروا الحصاد، انتظرنا ولم يأتِ، أتى أعرابٌ بلحىً وقرآنٍ عربيّ كلّه أمراضُ دوابٍّ،
وها أنتَ ترى إلى الآشوريِّ منتحباً على أنقاض كنيسته، الرافضيّ مدمّىً في كربلاء، والمندائيّ يستغيث بماءٍ سوف تجفّفه شمسُ الغرباء.

انظرْ
نحن نكادُ ننقرض.

فيا كنزَنا الأسْوَدَ
يابئرَ العطشِ
أنتَ أرعبتَ قلوبَنا
وقد آن لنا أن نلمسَ قلبَكَ
قلبَك القديمَ الذي قرأناه في الكتب.

يقول أحمد عبد الحسين في حوار أجريته معه سابقاً : " يقيناً إن اندهاش الصوفيّ (وهو اندهاش لاهوتي) لم يكن نتاج انكبابه على الوجود الخارجيّ، بل نتاج تأمّل عميق بما في الذات (أنا الحقّ، ليس في الجبة إلا الله)، وهكذا فان منطلق الصوفيّ والشاعر واحد كما أرى، كلاهما ساعٍ إلى استنطاق الغريب الذي يسكنه، الغيب الذي يحمله في داخله، والذي هو ليس شيئاً طارئاً عليه " . إن أحمد عبد الحسين / النموذج الثالث ، هو النموذج المختلف ، هو النموذج المتصوف العاشق بلغة حديثة ، إنه بعيد عن الطرق التقليدية في كتابة القصيدة ، احمد يضع نفسه في دائرة معينة ، دائرة ثقافته التي تتضمن الإنسان ومعاناته وبساطته / التصوف أو عشق الإله، و هو يصوغ هذه الإحداثيات بشكل مغاير ، يستخدم السرد و الدراما و يحمل بلاغة في نصه عبر المعنى أو فلنقل عبر صدى النص داخل متلقيه بعيداً عن البلاغة اللغوية التي تقوم بنحر القصيدة على عكس من المنحى الذي اختاره أحمد لها . أحمد عبد الحسين يعتمد في نصوصه على رؤية الأشياء بشكل بسيط، و عبر هذه البساطة يطرح عمق أفكاره ، حين نطلع على تجربة أحمد عبد الحسين بكل جوانبها (الشاعر و الكاتب و المحاور المثقف) نعرف ما اكتسبه أحمد من إرث صوفي وقدرة على اكتشاف الباطني من الملامح الخارجية . كما أجد المكان و الذي كثيرا ما يُذكر في نصوص عبد الحسين باعتباره المكان الذي يحمل المعاناة ، المكان الذي يرمز لانسحاقات أحمد عبد الحسين الإنسان. إنه بلا شك يستحضر هذا المكان ليختصر طريق إيصال ثيمة النص إلى المتلقي . في نص " بسم الله " و الذي يحمل هذه المرة خطاباً أكثر وضوحاً، من كل خطابات أحمد عبد الحسين في نصوصه السابقة ( ارجع مثلاً لكل من نصي الشاعر : قربان و كربلاء الوقت) . إنه في هذه المرة لا يخاطب الله باعتباره حسب الجملة الصوفية الشهيرة: يا من لا هو إلا هو .. بل بضمير (أنت) المخاطب .

إنني حين اقرأ هذا النص ، لا أنسى اقتراب أحمد من قلب الله ، إنه يريد ملامسة قميص الله ، و من ثمّ القبض على قلبه ذاك الذي يعيش في عبده بحسب الحديث القدسي : " لا تسعني سمائي و لا أرضي ، و لكن يسعني قلب عبدي " . الملامسة هنا و التعرف على الله ليس بجديدٍ على التجربة الشعرية فخذ مثلاً تجربة الشيرازي : " يا قلب تعالَ وخذ نحو الله سبيلك حتى لا يحجب عنك خبر مجروح " فهنا يلاصق الشيرازي قلبه بقلب الله ، و بحكمة و معرفة الله و حقيقته .

هكذا تتكون قصيدة أحمد "بسم الله" :
1- مخاطبة الله ، كونه منادى ، بصفات يمنحها الشاعر للرب .
2- من ثم يطلب بصيغة الأمر ( و هي في دلالتها التماس من الرب ) أن يتدخل في معاناة الإنسان تحت مسميات عديدة ، منها ما يقدمه الإنسان لهذا الرب : ( جزئية الحجاب الذي تشده حبيبة الشاعر من أجل الله ) .
3- مرة أخرى تقريب قلب الله من قلب العبد ، استناداً على الفكرة الدينية حول هذا الارتباط و المحبة بين الرب و العبد .
4- الحديث عما يحيط الله ، و بذلك استعراض لحياة الله ، و التخاطب مع أشيائه.
5- الحديث عما يحيط الإنسان ، عن الإنسان و عالمه البسيط و المليء بالحسرة مثال : النساء / الطيور / الأطفال .
6 و 7 و 8 الخ .. استحضار معاناة الإنسان أمام الرب ، محاسبة باطنية لضمير الرب ، لرحمته التي يتصف بها ، كونه الرب الخالق ، و الرب المُحب .

أليس في كل ذلك محاسبة للحق الذي يتصف به الله ؟ يوجد في النص عمق وجداني قابل للتفسيرات العديدة ، إن النص واضح و قد يراه البعض على خلاف وصف : " حمال أوجه " .. لكن على العكس فرؤية و شعور أحمد عبد الحسين التصوفية قابلة للدلالات والتطور . خاصة في تعاملها مع الحق ، الوجود ، و أعمدة الرب / مثال الجنة ، العدم ، الجحيم ، و ذلك ظاهر في نصوص الشاعر بشكل عام .
إنني أرى في مخاطبة أحمد لله خطاباً جديداً ، خطاباً وسطياً يحاسب الله من منطلق إنساني ، إنه لا يفتعل ، لا يريد أن يخلق نصاً إشكالياً ، بل يحمل نوراً روحانياً و طرحاً إنسانياً شمولياً لتفسير كل ما يلوح في الأفق ، تفسير بعيد عمن يرغب في الكشف عما يدور في اللا وعي أو في الما بعد ..

المراجع :

1- القصائد السريالية من كتاب " رسالة إلى أدونيس " – عبد القادر الجنابي .
2- المواقف و المخاطبات – النفري .
3- الحلاج – سمير السعيدي .
4- قصة الحضارة – ول ديورانت .
5- الإنسان و المقدس – نص لندوة كتاب من تونس .

« آخر تحرير: 19/03/2010, 19:51:30 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #25 في: 26/03/2010, 16:37:25 »



اكـتـشـاف ريـلـكـه :
الــمــلاك و ديــانــة الــفــن



عـبـد الـعـظـيـم فـنـجـان
الــحــوار الــمــتــمـــدن


بمناسبة صدور الأعمال الشعرية الكاملة لـ "راينر ماريا ريلكه" ..

الإكتشاف

اكتشاف ومتعة ، والأكثر من ذلك هو الدرس الإبداعي والمعرفي الذي لابد من هضمه واستيعابه جيدا ، تلك هي المكافأة التي تنتظر مَن يفكر باقتناء ومطالعة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر المعروف راينر ماريا ريلكه التي صدرت مؤخرا عن منشورات دار الجمل بطبعة لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها باذخة .

ثلاثة مجلدات عامرة بنتاج هذا الشاعر الإشكالي ، النمساوي لكن الناطق بالألمانية أولا ، والأسطورة الشخصية التي بدأت هشة ثم تجاوزت ذلك بتطوير ميدانها ليصبح الشاعر ملاكا ، حيث الفن ديانة في عالم نضبت فيه الأساطير وجفـّت فيه ينابيع المقدس ، ثانيا . أما ثالثا فهو الجهد الخلاق والخارق الذي بذله مترجم العمل وكاتب مقدمته وحواشيه وهوامشه الشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد الذي ضمّن عمله ترجمة حرة لدراسة البروفسور النمساوي الأصل "غيرالد شتيغ" المشرف على نشرة "لابالاياد" الفرنسية لآثار ريلكه الشعرية الكاملة .

"اكتشاف ريلكه من جديد" : هو ما يصح قوله ، ولأن هذا الاكتشاف متعدد الأوجه والجوانب ، اكتفي بالإشارة غير المتعجلة إلى جوهرها : الشعر عند ريلكه (وهذا ما تقوله المقدمتان) ينطوي على قوة شافية ، وبذلك لا وظيفة اجتماعية له ، بمعنى أن الشعر بلسم شفاء بغض النظر عن موضوعه ، سيما بالنسبة لكاتبه ، فقد كتب الشاعر إلى الطبيب النفسي الذي كان يفكر بالاستعانة به : "يبدو لي دائما أن عملي الشعري يشكل في العمق نوعا من العلاج الذاتي" ، كان ذلك إبان الأزمة النفسية التي داهمته إثر نشر عمله "خمسة أناشيد" . قلما نتعرف على شاعر مسؤول أمام نفسه على هذه الشاكلة ، يتأزم نفسيا من عمل لا يرضى عنه ، بل يضرب عن الكتابة محتجا على ذاته ومن ثم لا يخرج من أزمته تلك إلا بعد أن ينجز عمله الجبار "مراثي دوينو" حيث بعدها كتب الى احدى صديقاته : "آه ، يا نصرا صغيرا مجنحا إلى الأبد وبكامل الفخر ، انه النصر ، النصر تسعُ مراثٍ" . بقية شواهد هذا الفرح بالشعر كقوة شافية أتركها للقاريء كي يبحث عنها في المقدمتين وفي عمله الشعري .

بالنسبة لمتلقي الشعر فقد كان ريلكه حريصا على أن تكون قراءة منجزه شعرية محضة ، فكما أن لا وظيفة اجتماعية للشعر كذلك لا وظيفة آيديولوجية ، فقد عبّر عن انزعاجه التام من انتشار عمله "أغنية حامل الراية" الذي كتبه في فترة شبابه وانتشر (رغما عنه) أثناء الحرب العالمية الاولى ، وقد كان صارما في عدم إصدار طبعات لهذا العمل مع رسوم ، وللحقيقة فلم يكن امتعاض ريلكه من الانتشار وحده بل ومن الشكل الفني لعمله هذا : "خطأ في الذائقة جعله لا يطيق ، طيلة سنوات ، مجرد السماع بهذا العمل ..." كما تقول المقدمة . في هذا السياق ينبغي التوقف عند عمله "خمسة أناشيد" الذي كتبه أثناء التعبئة للحرب العالمية الأولى مثلما فعل الآخرون ، لكن الفارق الأهم بين ريلكه وسواه (كما يقول غيرالد شتيغ في دراسته) هو وعيه بفقدانه الوشيك لصوته الخاص أمام نداء الجماعة ولذلك : "منذ منتصف هذا النص تراه ينقلب من التهليل للحرب إلى تأكيد فظاعاتها وكونها آتية لمحو التراكم الثقافي الطويل الأمد للانسانية ..." ص 86 ج1. هنا ينبغي مقارنة هذه الحساسية بينه وبين منشدي الحرب عندنا في العراق ، كما ينبغي ملاحظة قلة الحياء عندهم ..

وهكذا فليس الشعر عند ريلكه أداة للتكسب أو للتزلف ، بل هو المقدس والمتعالي الذي لاينبغي أن تمسه السهولة ، فمنذ مجموعته "قصائد جديدة / القسم الاول / عام 1907" ستكون القصيدة موجهة إلى قاريء يتمتع بمستوى معين من الثقافة ، إنها المشاركة الخاصة أو الحميمية الوعرة ، تلك التي لا تـُمنح إلا إلى محاور خاص يتمتع بشيء من الذكاء والحدس ، حيث يمكن صياغة عالم أفضل أو على حد عبارته هو : "أن لا نعتبر الفن اختيارا للممارسة في العالم ، وإنما تحويلا للعالم إلى بهاء" .

عبارته في تحويل العالم إلى بهاء تعني في ما تعنيه أن الجمال موزع بعدالة بين جميع الأشياء ولذلك ينبغي القبض عليه في ما لا يتوقع وجوده فيه ، فقد كتب في دراسته عن رودان : "الطبيعة توفر ، حتى لما هو أكثر امتناعا فينا على المعاينة والقبض ، معادلات حسية ينبغي أن نعثر عليها" ، لكن فعل القبض هذا أو بلغته هو : "التحويل يجب أن يكون عاصفا وحادا ومشعا بحيث لا يدع للذات الفاعلة الوقت الكافي لتتذكر قبح الشيء او شناعته" ص 69 ، ج1 .


ملاك ريلكه والتحويل الشعري

وصفه بـ (يجب أن يكون عاصفا وقويا) لفعل التحويل يصلح مدخلا لاندهاشه ومن ثم تماهيه مع "ملاك الإسلام" إلى الحد الذي دفعه لأن يضع مسافة بين تصوره هو والتصور الكاثوليكي للملائكة حيث يؤكد بأن : "ملاك مراثي دوينو لا علاقة له بملائكة المسيحية بل له علاقة بملائكة الإسلام" ص109 ، مما سبب له سوء فهم واسع ، فثمة فارق بالطبع بين قرائته الإبداعية لفعل التحويل متجسدا بالملاك الذي يحوّل المرئي إلى لا مرئي وبين القراءة الدينية للملاك ، بمعنى آخر كان ريلكه يعمل عبر الشعر على تحويل الأشياء المرئية إلى حقائق قلبية حسب التعبير الدقيق للمترجم ، وهي وظيفة الملاك (ملاكه) . إذن هو التحويل ، هذا الفعل السحري ، لكن المضني والمجهد ، الذي يجعل من القصيدة شيئا أو هو ما يجعلها (القصيدة / الشيء) هذا المفهوم الذي لا يمكن تحقيقه إلا عبر مجاهدات وتجارب وخبرات متوّجة بفعل الانتظار والصبر ، هو ما اختطه لنفسه كبرنامج ، فالشعر ليس مشاعر وإنما تجربة ، ولتبيان ذلك انقل هذه الفقرة المطولة التي كتبها كاظم جهاد ملخصا ما كتبه ريلكه بخصوص الشعر والتجربة : "ينبغي أن يكون الشاعر رأى مدنا كثيرة بما فيها من بشر وأشياء وأن يكون عرف الحيوانات ورصد كيف تطير الطيور ، والشاكلة التي تتفتح فيها الأزهار الصغيرة في الصباح ، وأن يكون سار في مناطق مجهولة ، وأن يتذكر أسفارا بقيت فكرتها تراوده طويلا ، وأهلا هو كان يغضبهم عندما يحملون له فرحا لا يفهمه لأنه كان معدا لشخص آخر ، وأمراض طفولة أسفرت لديه عن تحولات عميقة وخطيرة ونهارات امضاها في غرف هادئة ومصونة ، وصباحات عاشها على شاطيء البحر وأن يتذكر البحر نفسه ، وليال عشق كثيرة لا تتشابه ، وصراخ نسوة يُعولن من حاجتهن لطفل وأخريات يلدن ثم تندمل أجسادهن كجراح .. وهذه الذكريات وسواها لا تكفي : ينبغي أن نعرف أن ننسى الذكريات عندما تكون بالغة الوفرة وأن يكون لنا ما يكفي من الصبر لننتظر عودتها ، ذلك أن الذكريات نفسها لا تكفي ، عندما تكون تحولت فينا دما ، نظرة ، إيماءة ، وعندما لا يكون لها من اسم و لا تعود تتميز عنا في شيء ، وعند هذا فحسب يحدث أن تنبثق منها ذات ساعة بالغة القدرة ، الكلمة الأولى لبيت من الشعر" ص 15 - 16 .

هذه الفقرة المطولة ، خاصة السطور الأخيرة منها ، تحيل ـ ظاهرا ـ إلى السلوك الصوفي في طرفه المتضمن أولا : مضاعفة الشخصية أو الهوية عبر فعل السياحة ، التجربة التي تـُحوّل الأنا الفردية إلى أنا عالمية شاسعة . ثانيا : في تحول الذكرى إلى شيء ذائب في الجسد كما الدم ، بانتظار الاتحاد مع المطلق ، سوى انه في حالة ريلكه من أجل أن يحوز الشاعر على نظرة ملاك ، وهنا ينبغي الحذر في التعامل مع هذا الاصطلاح ، فهو لا ينطوي على أية إحالة دينية ، فملائكة ريلكه ليست رسلا يحملون بشارة ما : "بل هم هؤلاء الذين يظل ما هو غير مرئي لدى البشر مرئيا عندهم ، ويكون رصيد ما هو غير مرئي" ص 17 ج1 ، إنه التحول الذي ينفرد به الشاعر لكن بعد طول انتظار ، وهو ما أدهشه ـ مرة أخرى ـ في حالة ملاك الإسلام مع النبي محمد ، إذ هو لم يتجل إلا بعد طول انتظار وصبر ومجاهدة أولا . ثالثا : هو التحول السريع من لدن النبي بعد الفعل "اقرأ" ، حيث بعدها وفورا صار النبي هو المبلغ وهو البلاغ ، وهذا ما كان يصبو إليه ريلكه في صنيعه الشعري .


ريلكه عبد الرحمن بدوي

من المفيد هنا استعادة ما كتبه المفكر عبد الرحمن بدوي عن الشاعر في كتابه المعروف "الشعر الاوربي المعاصر" الصادر عام 1965 ، وهو من أقدم الكتب التي حاولت التعريف بريلكه ، ومما يثير الدهشة هو إصرار بدوى على أن ريلكه أثناء زيارته لمصر قد تأثر بالإسلام فكتب قصيدته "رسالة محمد" ومع ذلك فهو يتسائل : "ولسنا ندري ما دافع ريلكه إلى كتابة هذه القصيدة ، أهي إثر قراءة لسيرة الرسول أم هي محاكاة لـ "غوته" في (الديوان الشرقي للمؤلف الغربي) ؟ ليس لدينا بيان للدوافع التي تحت تأثيرها نـَظـَمَ ريلكه هذه القصيدة التي صاغ مضمونها وفق سورة (العلق) وهي تدل ـ على أي حال ـ على مدى تأثر ريلكه بالإسلام" هكذا إذن !

الواقع أن ريلكه ، هذا المنزوع من أي رباط شائع يشده إلى الأرض أو إلى السماء ، كان تواقا لصنع أسطورته الشخصية مجردا من أي دعامة فكرية أو لاهوتية أو أيديولوجية و عبارة بدوي : "وهي تدل على مدى تأثره بالإسلام" دعائية وغير دقيقة ، فالحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان بعد قراءة مقدمتي الأعمال الكاملة ، هي أن ريلكه قد استلهم ملامح ملاكه الشعري من الإسلام بعد مقاربة ومقارنة بينه وبين الملاك في المسيحية ولم يكن إعجابه أو تأثره ـ حسب بدوي ـ إلا لأنه وجد ضالته في التحويل والتحوّل الشعري في مثال أو أمثلة وفرتها بواكير التجربة الإسلامية ، ومن ثم تحوّلت بعد دخولها إلى مشغله الإبداعي إلى شيء آخر إذ انتقلت من حقلها اللاهوتي المقدس إلى مقدس آخر ، هذا المقدس الآخر هو "ديانة الفن" ، كما أن اندهاشاته وتجلياتها في عمله الشعري تتسع الى خارج منظومة الافكار و المسميات بكافة تجلياتها ، فيما أن استلهاماته لم تكن مقتصرة على الاسلام بما هو منظومة عقائدية وإنما بفهمه له ، هذا الفهم الذي يلبي حاجته وعالمه الشعري لا حاجته الروحانية أو العبادية كشخص متدين وإنما كشاعر ، وهذا الفهم / الاكتشاف يخصه وحده فقد كانت رؤيته الى المسيحية "الروسية" تختلف تماما عن المسيحية "الغربية" ، وتأثير تجربة السفر الى روسيا وبالتالي تأثير رؤيته / اكتشافه للمسيحية هناك كان دورا كبيرا في عمله الشعري ، ناهيك عن قرائته الخاصة للموت وتجلياته في الحضارة الفرعونية ، إضافة الى دور سياحته في مدن اوربية مختلفة والعيش بالقرب من محترف الفنانين ، كان هذا إذن هو مخاضه الذي أملى عليه أن يملي شروطه آنفة الذكر ، التي يجب أن يتوفر عليها الشاعر .


ديــانــة الــفــن

يذكر كاظم جهاد أن ريلكه قد كتب مؤكدا إلى متلقي رسالته : "انه بات يزداد ميلا الى عدم السماح لموقفه الديني بالإعراب عن نفسه إلا داخل أعماله" ، ومن المعروف بعد قراءة الأعمال الكاملة أن ريلكه قد كتب قصائد بعنوان "حياة مريم" وقد استعان من اجل عمله هذا بأعمال فنانين ومن التراث ، لكن ومع هذا يحذرنا "شتيغ" كاتب الدراسة عنه ، من : "أية قراءة دينية لهذه القصائد لا تصمد أمام قراءتها الشعرية" ، إنه فعل التحويل بلا شك ذلك الذي سمح له بأن يستخدم في عمله عناصر من العهدين القديم والجديد دون أن يتوقف عن قلب المسار ، بل أنه - حسب شتيغ - ذهب في قصيدة "المنتحبة" (ليست من ضمن مجموعة حياة مريم) الى حد إعارة مريم المجدلية خطابا عشقيا تنطق به أمام يسوع بعد صلبه : "هذا الطيران بين الآيروس والدين أو هذا التلابس المقصود بين اللغة الدينية والخطاب الشهواني" ، مارسه ريلكه في (كتاب الحج) في قصيدة "اطفئي عيني وسأبصرك" حيث الـ (أنت) الإلهي المخاطب فيه ملتبس خاصة لو عرفنا ان لا وجود لفعل التأنيث أو التذكير في اللغة الألمانية. هذا اللعب المقصود على اللغة وباللغة هو من جنس فعل "التحويل" بالنسبة للشاعر الذي حاز على نظرة ملاك ، وهذه الاخيرة هي التي انجبت "كتاب الفقر والموت" الذي أشار فيه الى (الموت الصغير) الذي يفرضه مجتمع المشهد والى (الموت الكبير) الذي هو تتويج لحياة الفرد ونضجها حسب تعبير شتيغ الذي يذكر أن كتاب "الفقر والموت" قد خلق ردود فعل عنيفة لدى القراء انقسمت بين التماهي معه وبين رفضه وادانته وقد تمحورت السجالات بسببه حول نقطتين اهمهما بالنسبة لنا ، مسألة العلاقة بالله ، وفي هذا الصدد تذكر المقدمة أن ريلكه قد جعل من الفن تصوّرا للحياة يضارع الدين والعلم والاشتراكية ، هذا التصور جاء ليؤشر مركز الفراغ في الحداثة ، حيث الاشياء قد فقدت آصرتها مع الناس .

تذكر المقدمة أن ريلكه كتب نقدا موجها الى أميركا باعتبارها أنموذج التراجع هذا : "كانت اغلب الاشياء تمثل لهم ـ أي أجدادنا ـ أواني يجدون فيها شيئا انسانيا يدخرونه فيها ، أما اليوم فإن اميركا تغرقنا بأشياء فارغة تأتي خبط عشواء ، أشياء وأحابيل لاقتناص الحياة ، مثلما هناك أحابيل لاقتناص الذباب ، إن منزلا بالمعنى بالاميركي وتفاحة او عنقودا من العنب الاميركي لا يمتان بأية صلة للمنزل والثمرة والعناقيد التي غذت رجاءات اسلافنا الحالمة" .

لم تكن هذه الديانة تحمل بعدا لاهوتيا ولا هي بدعة بالمعنى الشعري للكلمة ، فقد عرف الألمان من قبل مثل هذا الجنوح وهذا الحماس للفن عند شيلر وسواه ، بل أن تأشير مركز الحداثة الفارغ من القداسة هو موضوع جدل كبير من لدن أدباء ومفكري الغرب أمثال بودلير ، والتر بنيامين ، أودنرونو ، ادغار موران وسواهم ، لكنه في حالة ريلكه يتمثل في رفع تجارب القلب الانساني الى مستوى الاساطير ، وهو ما فعله في "مراثي دوينيو" و "سونيتات الى اورفيوس" وفي غيرهما من الأعمال التي يجدها القاريء موزعة ضمن مجلدات هذا العمل الشاهق ..


« آخر تحرير: 26/03/2010, 16:47:08 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أسفار
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,881


الجوائز
« رد #26 في: 11/04/2010, 23:04:43 »


مـــلـــف :
جان دمو الساطع كصلاة صباحية / رؤيا أخرى و قصائد ضائعة


عـبـد الـعـظـيـم فـنـجـان
الــحــوار الــمــتــمـــدن

1
يروي الشاعر حسين علي يونس : أنَّ السيدة حكمية جرار، صاحبة دار الأمـد ، التي تبنت طـبع مجموعة جـان اليتيمة : "أسمال" قد اقترحـت على جـان أن يتفرغ للكتابة ، بمنحـه يوميا مبلغـا من المال ، مع قنينة خمر ، اضافة الى المبيت في نفس الدار : كان حجم القصائد ، وعددهـا غيـر مقنع ، من وجهة نظرهـا ، كي تصـدر فـي كتاب ، ولابد من حثّ جان على أن يكون جـادا ، إمـا باستذكار عـدد اضافي مـن قصائده الضائعـة ، أو بكتابة قصائد جديدة ، لكن أيا من الأمـرين لـم يحـصل في النهاية ، فالشاعر عـنده (هكذا يبدو لي مثلما كان يعتقد جـورج حنين) يتلازم منذ البداية مع المفكر : "ليس الرسام ، والنحـات ، والكـاتب في خـدمة مفهوم بعيد ولامبال الى ما لا نهاية له . انهم يصغون الى إمـلاء : الامـلاء الذي يتلقاه وعيهم الصافي من طرف الكـائن ، حيث يرتطم أولا العالم المحسوس : إن البنى التي يقيمها العقل على هذه المعطيات المباشرة الاولى ،لا تبدل أصل العمل الفني و لا المقصد منها . الأصل حركة غامضة للأنا لكنها آمرة . المقصد إرضاء هذا الالحاح النفسي : الانتقال من القلق الى الاكتمال .." . واضح جدا ، من هذه الرواية ، مدى اخلاص جان لشعره ولقلقه ، فـفيما كانت مقهى حسن عجمي : مقهى الادباء آنذاك ، قد تعهدت بتوفير شعراء يدبجون قصائد تسلك في خدمة قائد النظام مقابـل دنانير معدودة ، كان جان يستثمر مشروع جرار ، لتحقيق عزلته الباذخة ، في معاقرة الخمرة و القراءة ، وهو على يقين من أنَّ ذلك لن يدوم طويلا ، فسرعان ما سيجد نفسه ، ذات يوم ، مقذوفا الى الخارج ، حيث الهامش الذي تشيـّأ في رحمه .

في مقابل ذلك يروي الصديق الكاتب ، والمخرج المسرحي ، قاسم حميد فنجان ، أنَّ جان دمو في صيف عام 1994 كان قد شاهد أحد عروضه المسرحية في كركوك حـيث مسقط رأسه ، فتفاعل مع العرض : "إن هناك سحر ، وسر خاص في كل مَن يحمل اسم فنجان" قال له ، على هامـش الامسية تلك ، ثم جلس معه الى طاولة واحدة ، يشرب ماتيسر له ، منهمكا بكتابة قصيدة ، تـرك ورقتها على الطاولة : "إنها لكَ الآن" . يعني ذلك ايجـابية جـان كمثقف متابع ، لايفوته كتاب ، أو معرض تشكيلي ، أو فوتوغرافي ، أو عرض مسرحي ، أو سينمائي : متابع جيد ، ومن نوع خاص ، وعلى طريقته ، التي يكـون فيها تعليقه المميز هو سيد الموقف . إنه مثقف لم يكـف عن ممارسة دوره النقـدي بطـريقة المعـارض الايجابي . ففي الوقت الذي كـنا – ولازال البعض مـنا – يتبجح بانعزاله عن الحياة الثقافية ، التي امسك بخناقها البعثيون ، كـان جان موجودا في مركزها : لم ينجُ من وقاحته وزير ثقافة ، أومدير عام ، أو مسؤول ، أو شاعر أو قاص أو .. ببساطـة : لم يسلم من سلاطة لسانه اي فرد قادر على أن يغيـّر حياته ، ويدفعـها بعيدا عن المستنقع ، كما لم يتوقف عن دفع ما أمكنه دفعه مـن نصوص مكتوبة او مترجمة للنشر . لكن ما السحر في شخصية جان دمو ؟!


2
مرة ، كتـب عبد القادر الجنابي : "الشلل الذي يرائي به دمو الى اليوم : احتقاره لممتهني الشعـر ، فهاهـو عنصر هائم بين جماعة كركوك" يهزأ بكل قصيدة تقرأ أمامه ، متوعدا الجميع بأنـه سيكتب القصيدة الكبرى : شاعـرية دمـو حقيقية : مـظهره ، قرفه من الشعـراء المعتبرين ، الذين تنهار ثقتهم بأشعارهم ما أن يحضر ، تشرده ،وقصائده الصغيرة الغريبة جدا ( ... ... ) كل هذا التصرف البذيء ، المنطوي عـلى استهتار بهيبة شعراء يسطلون رؤوسهم ليل نهار مـن اجـل " قصيدة " ، تغذي عند الاخرين رجاءً وهميا ، كان جزءأ من من الاوكسجين الذي تنفسته الحركة الشعرية العراقية ، بفضل مجموعة كركوك ، التي لا أرى مآتيها الجذرية الا في ظاهرة دمو ، حيث الاحتقار بذرة ابداعية يجب أن تغرس في تربة كل شاعر اصيل" . لكن ذلك قد يبدو متناقضا مع الصورة المسرنـمة ، التي رسمها الشاعرفـاضل عباس هـادي ، فـي شهادته عن حياة جان دمو في بيروت ، غير أن تلك كانت البداية لا غير: البداية التي عمّقت فيـه شعورا فطريا على التمرد والاحتقار، عندما حدّق عميقا من داخل حجرة البراءة التي كـان يقطنها ، وتفحص وضعه البشري ، كمطرود من الجنة التي هاجر اليها ، أو عندما حصل وأن وجد نفسه مقذوفا خارج أحلامه ، تحت أنظار شعراء ومثقفين ، حـيث الرؤوس شبـه الفكرية ، تجلد عميرة افكارها .

لا تناقض إذن ، بل لايمكن أن تُحذف صورة جان البريء ، لصالح صورة نريدها له . إنه لأمر مؤسف حقا ان يُنظر الى جان على أنه ذلك المشرّد السكير ، الذي يصرخ بوجـه الجميع ، عدا قلة قليلة جدا :  "قحبة ، كلبة .." : إن ذلك يساعد كثيرا في اخفاء الطاقة العنيفة من الوعي التي يتمتع بها ، والتي تميّز – حتى وهو في اعماق غيبوبته – بين فريقين ، أحدهما يستحق الشتم والسباب ، والاخر يستحق الحنو والتقدير . هذان الوجهان : البريء والخشن ، ينطـويان ، في نفس الوقت ، عـلى وعـورة فـي معـنى حياته ، وهي تـتـبدى واضحـة في القصائد أدنـاه ، حـيث تتوازن ، وتتساوق متدفقة ، الثنائيات الكـبرى : المعنى واللامعنى ، الخـشونة والعـورة ، الـوعي والـلاوعي ، بل أن صورتي البريء والخـشن تنسحـبان هنا من المشهـد ، لتحـل محـلهما صـورة مكثفة للشـاعر، بالمعنى الذي وصف فيه شـار رامبو ، وليـس بالمعنى الـذي اشاعـته الثقافـة العـراقية الرسمية وقتذاك ، حين عـرضت الشاعـر كطبال ، مدّاح ، مروّج لأناشيد الحروب ، ومهرّج في بلاط الخليفة . لكن هذا الإحلال لايمحـيهما ، بل أننا (وهنا انصح القاريء غير العراقي) لايمكن أن نفهم جان ، أو نقترب منه بحميمية من دون أن نضعهما في حسباننا ، وتلك هي احدى ملامح اسطورته ، في زمن نضبت فيه الاساطير.



3
يقـول الشاعـر انتوان آرتو : " في الـوقـت الذي يسعى فيه الاخـرون الى تقديـم الاعـمال الفـنية ، أراني لا اطمح في شيء اكثر من محاولة الكشف عن روحـي ، وعرضها عـلى الناس " و هاهـو جـان يفعـل الشيء نفسه : يسيـل في الشـوارع ، الازقـة ، الحـانات ، والمقاهي ، مثـل نهـر يؤكـد وجوده ، بالانتقال هكذا موجة بعد موجة ، الى أن تصبح بغـداد ، المغـمورة آنذاك بمدائح شعـراء البوابة الشرقية، جزيرته الـمائية : كـل حـانات بغـداد استقبلت جان بحب واحترام بوصفه شاعرا نبيلا ، الا الحانات الحكومية ، ومنها نادي اتحاد الادباء ، الذي طرد منه لمرات يصعب احصائها ، وليس ثمة مفارقة اطلاقا ، بل ليس ثمة ظلم ايضا ، بل أن التوقف او الحديث عن هكـذا مفارقة أو هكذا ظلم سوف يحجبنا عن رؤية جان دمو الحقيقي ، يضللنا بحيث لايمكن أن نميّز بين الوجه البريء ، الـذي تكلم عنه الشاعـر فـاضل عـباس هادي ، والـذي يتبدى جليا وواضحا في الحانات الشعبية ، حـيث لاسباب ولاشـتـيـمة تبـدر من جـان ، في مكان - هنا ذروة المفارقة - تشيـع فيه الشتيمة ، وبين الوجـه الخشن ، الذي يتجلى في نادي الاتحاد ، حيـث يطـلق جـان العنان لشتائمة وسبابه . الاشكالية واضحة ، لغير العميان ، ممن يعرفون جان جيدا ، فليس المقصود هو المكان انما رواد المكان ، وطبعـا نحـن نعتذر عن العمومية الظاهـرة في وجهة نظرنا ، إذ ليس معقولا ان لايكون هناك هما شاغلا لجان سوى السباب ، وهو ينقل جسده الضامـر الى نادي الاتحاد ، لكن المقصود منه هو هم اولئك الادباء الرسميين الذين تستفزه رؤيتهم : مجرد رؤية واحد منهم – وما اكثرهم ـ كافية لاطلاق النار .

ثمة مـن يسوّق ذلك كله على انه مـوقف سياسي من جان ، والحقيقة ان مايحـصل هو تضـاد بيـن موقفين في غاية التناقض : موقف السلطة السياسي وموقف جان دمو الشعري . موقف ينطلق من ايمان مزيف أزاء موقف مستخلص من شك حقيقي ، وبالضبط : اعتقاد جامـد أن الشعر سلاح في المعـركة – أي معركة !! - يقابله موقف "الشعر ســلاح في الهـزيمة" لكـنها هـزيمة تـخـرج عـن مـألوفات السياسي ، لو استبطنا لغته ، وصولا للى تمـزيق الشعـارات الرسولية ، التي كانت تعلق ويقرأ تحتها الشعراء . انها معـركة غير متكافئة أبدا ، لأن ادوات السياسي غير ادوات الشاعر ، ولذلك علينا – من اجـل فهـم جان دمو ، مرة اخرى – أن نـضع فـي النتائج أن عدم التكافؤ هذا هو لصالحه دائما ، نتيجـة استراتيجية الاحتقـار العنيف ، التي مـارسها طوال تلك المجابهة ، ونتيجة شكه الحار ، الذي يقود الى العدمية ، كما عند كلوديل ، متجليا بعبارة انسي الحـاج التي التقطناها منه : "أنا يائس ، فـمـم أخاف ؟".


4
قال الشاعـر السوريالي جورج حنين ، مفرّقا بين السياسي والشاعر : "إن عملا أدبيا ليس اعلانا انتخابيا ، وهذا لايعني أن الادب لاعلاقـة له بالسياسة ، فلاشيء اقل صحة من ذلك ، ان ما ينبغي قوله هو : إن الادب يحتفظ بحق التماس مع كل عناصر الحياة ، لكن الاشياء تفسد ، حين لايلتفت الكاتب الى السياسة ، ولايراقـب الحـياة الاجـتماعية ، الا لصالـح حـزب وبرنامـج . انه يقوم اذن بالدعاوة . في وسعه ان يقوم بها ببراعة او بصورة بائسة ، لايهـم . من المفترض أن الكاتب جاثم على قمة يقوّم من فوقها بحرية المجتمع والسياسة والانـسان . والحـال أن الدعـوي – أي السياسي – لايحكم من الاعلى الى الاسفل ، بل من الاسفل الى الاعلى : لايرى في السياسة غير الحـزب ، ولايرى في الانسان غير المحازب ، يبقى دائما تحت الانساني" . لايفوتنا ان نذكر ان حنين قد كتب ذلك دفاعا عن اراغون ، وهو ما يتناقض مع موقف جـان دمو الذي كان متطرفا باحتقاره له الى الابعد ليشمل شعراء عالميين كنيرودا وما يكوفسكي ، إذ لم يشفع لهذا الاخير ، ولم يجد انتحاره اي حظوة لديه ، لأنه جاء من ضمن دعايته لنفسه ، كما كان يعتقد ، وكأنه تبنى – أي دمو - ضمنا رأي الشاعر الفرنسي سيرج سيرتو : " يصبح الشاعر مثيرا للريبة عندما يتحول الى مدير دعاية لنفسه "ومن هنا مصدر ارتيابه ، وبالتالي عدم احترامه ، واحتقاره المرير لكثيرمن الاسماء ، التي كان نقيقها طافيا على سطح البركة الراكدة ، كموكب من الضفادع : "ها يا كلبة .." يصرخ جان بوجه " الشاعر " وكأنه ضبطه بالجرم المشهود ، بعينه الباطنية التي تقرأ الاشياء من الاعلى الى الاسفل – حسب حنين – فيلوذ هذا بالفرار من امامه ، أو يداري خيبته بابتسامة تحاول ان تكون درعا واقيا ضد نبال دمو المنطلقة ، لكن هيهات .

في كتابه المثير "انتوان آرتو : الرجل واعماله" يكتب الناقد الانجليزي مارتن آيسلن ما يلي : "بامكاني سماع ارتو وهو يقرأ كلماته العاثرة العنيفة ، ويكرر صرخاته الوحشية الحادة التي تعجز عـن الافصاح عن مشاعـره الدفينة ، اضافـة الى التركيز المتفجـر بالالـم ، الذي يكمـن وراء تلك الكلمات ، التي تجمّد العروق ، فيبدو وكـأن كل معاناته واحباطاته ، وكل غضب الانسان اساسا ، فضلا عن صور العذاب والكرب ، قد تجمعت في تلك الصرخات الوحشية المؤلمة" . وانا اعتقد ان ذلك ينطبق تماما على جـان ، الذي عرفتُ ، أكثر من انطـباقها على اي انسان آخـر ، خاصة اولئك الشعراء الذين يتبجحون بما كابدوه من الم : اولئك الحائزون على أوسمة وجوائز شعرية منافقة ، باعتبارهم منكوبي طوفان الألم العراقي ، وهم – للمفارقة – كانوا يهزّون سريـر السلطة بـ "قصائد" طالما نظر جان اليها واليهم باحتقار، يخلو من الاشفاق . إن الصورة التي يرسمها آيسلن عن آرتو تتشابه من نواح عدة مع صورة جان دمو ، ربمالأنهمـا ينحدران من الهم نفسه ، ولعلهما سيصبحان أكثر شبها ، لو عرضنا بعض اراء آرتو ، ومنها تلك التي تتضمن بذرة الاحتقار في تربة جان دمو . يقول آرتو : " الكتابة قذرة كلها ، وقذرون هم اولئك الذين يغامرون ، في تدوين كل مايمـر فـي أذهانهم ، على وفق عبارات دقيقة رصينة " . ربما صرّح جان دمو في ساعات غاضبة بمثل هذا الراي ، وربما اكتفى – عندما يتجرأ احدهم ويقرأ له قصيدة ما رديئة – بالتحديق اليه . وفي هذا الصدد ينقل ابسون عن ارتو : "إن نظرات الانسان يمكن ان تنطوي ، او تعبر ، عن جوهره" ، ولكن من قرأ هذه النظرات في عيني جان الصغيرتين ، وفهم مغزاها ؟

مرة ، أجبـرته الظروف أن يسكن في بيت عاهرة ، لبثت في حالها وهو في حاله طرفا طويلا من الزمان ، الى أن اضطرت الى طرده لسبب هو من جنس جان الحقيقي ، القابع خلف قناع كثيف ، إذ هي لم تحتمل أن يكون الى جوارها هذا الحطام ، لكن المكابر، الى هذه الدرجة ، كما أن جـان ، هو الآخر ، كان مشغولا عنها بـ ...
" هناك ، في مكان ما بعيدا ، تدور حرب .
حرب الكل ضد الكل .
حرب اللا أحد ضد لا أحد .
حرب اللاحرب "
ولعله من فرط انهماكه بالغوص عميقا داخل نفسه ، وفي نقل خطواته بحذر في حقل الغامه ، لم يكن بقادر على أن يعـرّف نفسه ، عندما عاد الى مسكنها ، ذات ليلة ، ثمـلا ، في وقت متأخر ، و طرق الباب ، فصاحـت من خلفه :"مَـن هناك ؟" ولم يجـبها ، لعدة مرات ، حتى فتحـته أخيرا ، و وجدت جان ، فكان أن سرّحته في الصباح ، معتذرة عن استقباله في بيت ليس له فيه الا فـراشا ينام عـليه ، مبررة ذلك : "انـه يتصرف كطفل كبير" ، أما جان فقد قال مبررا : "لم أكن أقـوى على أن اقول لها : أنا" .


ج2 يــتــبــع

« آخر تحرير: 11/04/2010, 23:16:08 بواسطة أسفار » سجل

.....................................................................................

أرباه
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: أنثى
رسائل: 4,031


واقعية وساخرة جداً I don't believe in anything


WWW الجوائز
« رد #27 في: 08/08/2010, 18:10:34 »



 thinking 2

وين أسفار صارله فترة غائب

يحتاج لنا هيئة مراقبة الغائبين

سجل

The reason there's so much ignorance is that those who have it are so eager to share it.
 Frank A. Clark

ارتباطات:
صفحات: 1 [2] للأعلى طباعة 
 |  الآداب و الفنون  |  ساحة الشعر و الأدب المكتوب  |  ساحة الشعر والأدب المنقول  |  موضوع: مـــقـــالات فــــي الأدب : مــتــجــدد « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  

مواضيع مرتبطة الموضوع بدء بواسطة ردود مشاهدة آخر رسالة
[ الحيــاة فــــي الكـــــون ]
ساحة الترجمة
Santano 4 9532 آخر رسالة 07/02/2009, 01:43:04
بواسطة ram
فــــي مــــهــــب الـــــشــــعــــر
ساحة الشعر والأدب المنقول
أسفار 3 1623 آخر رسالة 10/04/2010, 21:45:09
بواسطة أسفار

free counters Arab Atheists Network
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها