|  في الإلحاد  |  في الميثولوجيا و الأديان  |  موضوع: طَائر الفينكس .. أسطُورَة الحَيَاة المثلَى* / ميخائيل نعيمة « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: طَائر الفينكس .. أسطُورَة الحَيَاة المثلَى* / ميخائيل نعيمة  (شوهد 6997 مرات)
فينيق
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 10,374


مُلحد بفضلْ الله, لا بفضلْ داروينْ!


الجوائز
« في: 10/01/2010, 16:29:21 »

لعلَّ أصعب ما يلاقيه الفكرُ هو الفصل بين حقيقة الوجود وأوهامه. غير أنَّ أكثر النَّاس لا يفكِّرون، فلا يتردَّدون لحظة في إقامة الحدود بين ما يدعونه حقيقة وما يروقهم أن يدمغوه بدمغة الوهم أو الخرافة. هكذا فالغراب في نظرهم حقيقة. أمَّا الفينكس فخرافة لا يؤمن بها إلاَّ البسطاء والقدماء.

ألا فليزجَّني من شاء بين القدماء والبسطاء. لأنَّني أؤمن بالفينكس. وأنا أؤمن به لأنَّني أؤمن بالخيال الذي ابتدعه. أوَليس الخيال حقيقة؟ إذنْ كلُّ ما يحبل به الخيال ويلده ويغذيه، أكان أجمل الجميل أو أقبح القبيح، يشترك في حقيقة الخيال. ونحن لو نظرنا في الخيال الذي يعمل بغير انقطاع لوجدنا أنَّ ما دون النَّزْر من أعماله يتَّخذ شكلاً محسوسًا. فلو رضينا بهذا النزر وحده حقيقةً، ونبذنا ما تبَقَّى كما لو كان وهمًا أو غير حقيقة، إذن لكان الخيال ذاته خرافة، والإنسان نفسه أسطورة.

إنّ خيالاً يلد طائرًا كالفينكس لَخيالٌ مبدع في ذاته ومن ذاته. لقد خلق الإنسانُ الفينكس، ومن حقِّه أن ينظر إلى ما خلقه ويقول: "إنَّه لحَسنٌ جدًّا." بل إنني أُضيف إلى ذلك، وإن رماني البعض بالتجديف، أنَّ الله نفسه، لو أنَّه فكَّر بطائر كهذا الطائر، لخلق واحدًا مثله. وقد يكون أنَّ خيال الإنسان يتمِّم خيال خالقه. أوَلم يصنع اللهُ الإنسان على صورته ومثاله؟

من روايات هذه الأسطورة المتعدِّدة الرِّوايات أنَّ الفينكس يسكن الجزيرة العربيَّة. فتعال نفلت، ولو بضع دقائق، من نطاق الجدران والسقوف، ونهرب بالخيال إلى غابة في مجاهل تلك الشقَّة من الجزيرة التي دعاها الأقدمون "العربيَّة السعيدة" والتي نعرفها اليوم باسم اليَمن، لعلَّنا نطلُّ على الفينكس في موطنه.

ها هي الشمس قد ارتفعت في المشرق. السماء صافية زرقاء، ونسمات الصبح العليلة تتهادى بين الأشجار مدغدغة أوراقها الغضَّة. في الغابة نهر عميق يسير بجلال نحو البحر، حاملاً على صفحته الصافية خيالات الأشجار والأدغال المتعانقة على جانبيه. أنَّى التفتَّ جمالٌ وسلام. حتى لتحسبك في جنَّة من جِنان الفردوس.

غير أنَّ الأشجار تحذِّرك من الانخداع بالظواهر. فهي تعرف أنَّ فيها وعليها وحواليها قد اشتبك الموت والحياة في صراع عنيف. كلُّ ما في الغابة من مخلوقات تمشي، ومخلوقات تدبُّ أو تزحف، ومخلوقات تمتطي الهواء وتهمزه بالأغاريد، يدأب بغير انقطاع طالبًا غذاء لنفسه أو مطلوبًا ليكون غذاء لسواه. ولا مفرَّ من ذلك الدُّردور حتى للصخور. كلُّ ما ينبثق من الأرض تبتلعُه الأرض رويدًا رويدًا، لتعود فتلفظه حيوانات وطيورًا وزحَّافات وحشرات وأشجارًا وأعشابًا وأزهارًا. فالحياة ههنا، شأنها في سائر المسكونة، تشتعل كعليقة موسى من غير أن تحترق.

في رأس أعلى شجرة من الغابة قد جثم طائرٌ لا شبيه له في كلِّ الخليقة. وقد اتَّجه نحو الشمس، فبانت كلُّ ريشة من صدره القرمزي الناعم كما لو كانت تلتهب بنار من عالم آخر. وكلُّ ريشة من جناحيه الذهبيَّين، المغموسة أطرافُهما في زرقة ولا زرقة السماء، كما لو كانت تقدح شرارًا من شرار الثريا. عنقه الطويل الجميل، المطوَّق بطوق ناصع البياض، قد تقوَّس إلى الأمام. أمَّا رأسه الدقيق الصنع فقد ارتدَّ قليلاً إلى الوراء مصوِّبًا منقاره الحادَّ نحو الشمس.

لقد جمع هذا الطائر بين زخرفة الطاووس وجمال طائر الفردوس، دون خُيَلاء الأوَّل وخجل الثاني. وهو ينظر بطمأنينة إلى الشرق كأنَّه لا يشعر بوجود شيء في العالم إلاَّ الشمس – مصدر النور والحياة. ترفرف من حواليه طيور كثيرة ما بين كبيرة وصغيرة، وإذ تمرُّ به تخفض أجنحتها مسلِّمةً عليه سلام إعجاب واحترام. حتى إن القويَّ من الفَراش الذي تمكِّنه أجنحتُه من الوصول إليه يرفرف حواليه مرَّتين أو ثلاثًا، ثم يهبط إلى الأرض شاكرًا جذِلاً.

الغابة تعجُّ بالأصوات من طائر يناجي عشيره أو وحش ينادي رفيقه – إلاَّ هذا الطائر الغريب. فهو لا يناجي أحدًا ولا أحد يناجيه. إذ لا عشير له ولا رفيق، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، ولا في عالم آخر من العوالم الدائرة في الفضاء. سواه من الطيور منهمك في بناء أعشاش أو تربية فراخ؛ أمَّا هو فلا عشٌّ يبنيه ولا فراخ يزقُّها. سواه يرفرف هنا وهنالك طالبًا قوتًا؛ أمَّا هو فلا يقتات بشيء حيٍّ بل بالبخور والعطور. سواه من الطيور يصيح فَرَقًا وقد علق في مخالب عدوِّه؛ أمَّا هو فلا يعرف الخوف لأنَّه لا يؤذي مخلوقًا فلا يؤذيه مخلوق، لا ولا تؤذيه العناصر. هو وحيد في العالم كلِّه. لكنَّه لا وحدة في قلبه ولا وحشة. سواه من الطيور يبدِّل ريشه مرَّة في كل عام؛ أمَّا هو فلم يبدل ريشة واحدة منذ أن كان له من العمر يوم واحد – وذلك منذ خمسمائة سنة!

لقد نبتتْ في الغابة أشجارٌ كثيرة، فنَمَتْ حتى طالت السحاب، ثمَّ هرمت وتفتَّتت وأخْلَتْ مكانها لأشجار أخرى. ولقد جرفت الفصول المسرعة أجيالاً لا تحصى من الطيور والحشرات والحيوانات، ثمَّ جاءت بغيرها لتحلَّ محلَّها. ووراء حدود الغابة، في مملكة الإنسان، قد طغت موجة بعد موجة من أعمال الناس، ثم تكسَّرت وتبعثرت على شواطئ الزمان الذي لا بداية له ولا نهاية.

أمَمٌ بكاملها أطلَّت على الحياة ثمَّ توارت، فكأنها لم تكن. ومدنٌ عديدة شمخت بأبراجها وقببها إلى السماء فلم تلبث أن عانقت التراب. ممالك عَلَتْ ثمَّ انخفضت. غزاة ومغزوُّون. أبطال وأنذال. عاشقون ومعشوقون. رؤوس متوَّجة ورؤوس بغير تيجان – كلُّ هؤلاء وهذه مشوا فترة على الأرض، ثمَّ عادت الأرض فاحتضنتهم ليمشي فوقهم سواهم من أبناء الأرض. حيث كانت تكرُّ أنهار جبَّارة نبتتْ اليوم أشواك وأحساك وأدغال وبنى النمل قراه والجراذين أجحارها.

كم من جنائن غنَّاء ابتلعتها الصحراء، وكم من صحراء أورقت وأزهرت! كم إله أُنزِل عن عرشه وإله أُجلِس على عرش! كلُّ ما في الكون قد تغيَّر وتحوَّل في غضون خمسة قرون – إلاَّ هذا الطائر الذي في عينَيه – كما في عينَيْ يهوه – "ألف سنة كيوم أمس الذي عبر وكهجعة من الليل".

غير أنَّ الوقت قد أزف حتى للفينكس أن "يتغيَّر". لا صوت يهمس في أذنيه؛ ولا إصبع تدلُّه كيف يتَّجه؛ ولا قوَّة خارجيَّة تأمره أن يفعل ما هو مزمع أن يفعله. لكنَّه بدليل من نفسه، وبصوت من داخله، يدير وجهه نحو الشمال الغربي، وبعد أن يصفِّق بجناحيه ثلاثًا، يمتطي الهواء. ولا حزن في قلبه على أمسية خمسة قرون يتركها وراءه، ولا خوف من أغدية خمسةٍ أخرى يقابلها. وهو يعرف محجَّته كلَّ المعرفة.

في وادي النيل البعيد مدينة كان المصريُّون يدعونها "آنُّو"، والعبرانيون "بيت شمس"، والروم "هليوبوليس". وفي تلك المدينة هيكل مكرَّس لعبادة الإله "رَعْ".

الفينكس يعرف المدينة والهيكل، ويعرف الفسحة التي سيستقرُّ عليها من المذبح. لأنَّه، منذ أجيال لا تحصى، يقصد إلى جلجثته هذه مرَّة في كل خمسمائة سنة ليتقبَّل عليها الموت. ومرَّة في كل خمسمائة سنة يعود منها تاركًا الموت في حيرة وارتباك.

يشقُّ الفينكس الهواء بجناحيه القويَّين مسرعًا نحو وادي النيل، فتجتمع من حوله شتَّى الطيور لترافقه، ولو بعض المسافة، فتُظهِر له تجلَّتها واحترامها. ولا يزال يطوي المسافات إلى أن تبدو لعينيه هليوبوليس.

في هيكل رَعْ نافذة فوق المذبح تطلُّ منها الشمس فتمتزج أشعتُها بدخان البخور وتضفر منه غدائر من ذهب وفضَّة كأنها أنفاس أرواح تائهة. وهذه الغدائر تلتفُّ وتنحلُّ فوق المذبح كأنَّها خيوط ممدودة على منوال خفيٍّ، وكأنَّ يدًا خفيَّة تحوك منها أنسجة غريبة. وليس في الهيكل الواسع المظلم سوى كاهن عجوز غارق في تأمُّلاته.

يسمع الكاهن بغتة حفيف أجنحة يقطع عليه مجرى تأملاته. وإذ يرفع عينيه يبصر على المذبح طائرًا عجيبًا يغتسل بنور الشمس، وقطُّ لم تقع عيناه على أجمل منه. فتأخذه الدهشة. ولا تلبث دهشته أن تنقلب إلى رهبة، إذ يحدِّق إلى الطائر فيراه قد انتصب رافعًا جناحيه إلى فوق. ثم يراه يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان كأنهما مروحة من نار. ويندمج الطائر بأشعة الشمس حتى ليشكل على الكاهن أن يفرِّق بينهما. وما هي إلا لمحة أخرى حتى يرتفع الجناحان إلى أعلى، وقد انقطعا عن التصفيق، فتبدو كلُّ ريشة كأنَّها مشعل من نار حيَّة.

يكاد الكاهن لا يصدِّق عينيه من شدَّة دهشته. فحيث رأى منذ لحظة طائرًا حيًّا يرى الآن ألسنة من لهيب تثب إلى فوق. ويا له من لهيب ما سبق له أن أبصر نظيره في كلِّ حياته! هو لهيب يرتدُّ البصر كليلاً عن بهائه، وتسكر الأنفاس بعطره. ألا تبارك رَعْ الأزلي الأبدي، الذي يحيي نفسه بنفسه ويحيي كلَّ شيء!

يملأ اللهيب الهيكل بأشباح رائعة، كلُّها يثب إلى فوق ويتلاشى في وثباته. ورويدًا رويدًا تخمد النار تاركة حفنة من الرماد المتوهِّج.

يا للخسارة أن يهلك طائر بديع كهذا الطائر وفي صورة مفجعة كتلك الصورة! ولكن... أحقًّا أنه قد هلك؟




يفرك الكاهن عينيه ليتأكَّد من أنه ليس في منام، فيرى – ويا للعجيبة! – يرى طائرًا يخرج من كومة الرماد المتوهِّج، كاملاً بكلِّ تفاصيله، عجيبًا بجماله، كالطائر الذي التهمته النار منذ لحظة. فكأنَّه هو. بل هو هو. فيهبط الكاهن على ركبتيه، ويغطي عينيه بيديه، ويحني هامته البيضاء حتى تلامس الأرض، ويتمتم كلمات يكاد لا يسمعها:

يا رَعْ. أيُّها الكائن الجميل الذي يجدِّد ذاته في حينه. أيُّها الطفل الإلهي. يا وريث الأبديَّة. يا والد نفسه. يا أمير الأرجاء السفلى ومدير الأحياء العليا. يا إله الحياة. يا ربَّ المجد. كل نسمة تحيا بشعاعك.

***

إن خيالاً جريئًا وخصبًا، إذا ما أعطيته مثالاً كمثال الفينكس، نمَّق فيه ووشَّى حواشيه إلى ما لا نهاية له. فالقدماء، مع محافظتهم على الفينكس كطائر يحيا فردًا ويجدِّد ذاته بذاته، قد ابتدعوا أساطير مختلفة لموته وللمدَّة التي يحياها بين التجدُّد والتجدُّد. وما الرواية التي حاولتُ تصويرها في ما سلف إلاَّ واحدة من تلك الروايات الكثيرة التي ضاعت مصادرُها في زمان قلَّما كان يأبه للأسماء والتواريخ لأنَّه كان يهتم قبل كلِّ شيء بحقائق الحياة الثابتة أو بالفكرة الأبديَّة.

لا خلاف على أن اسم الفينكس يوناني. والكلمة تعني، في بعض ما تعنيه، نوعًا من النخيل. ولعلَّ اليونان عرفوا ذلك النوع في بلاد فينيقية أوَّلاً فأسموه باسم البلاد. أو لعلَّهم أسموا البلاد باسم ذلك النوع من النخل لأنه كان يكثر فيها. وقد يكون أنَّهم أطلقوا اسم الفينكس على ذلك الطائر الخرافيِّ لأنهم أخذوا الأسطورة عن الفينيقيِّين. وفي الفقرة الآتية من نشيد بولاق للإله رَعْ ما يدعم الظن بأن اسم الفينكس مأخوذ من فينيقية:

المجد له في الهيكل عندما ينهض من بيت النار. الآلهة كلُّها تحبُّ أريجه عندما يقترب من بلاد العرب. هو ربُّ الندى عندما يأتي من ماتان. ها هو يدنو بجماله اللامع من فينيقية محفوفًا بالآلهة.

إن يكن أصل الاسم في شك فأصل الطائر ذاته أكثر تعقُّدًا من الاسم. فقد يكون فينيقيًّا. وقد يكون مصريًّا. وأقرب شبيه له في قديم الآثار الكتابية تقع عليه في ذلك السِّفر المصري العجيب المعروف بـكتاب الموتى؛ وهو مجموعة فصول شائقة في الأمور الباطنيَّة والفلسفة والشعر والسحر يرجع بعضها إلى القرن الأربعين قبل الميلاد. ولعلَّ هذه المجموعة هي أثمن ما ورثناه عن سكَّان وادي النيل القدماء. فهي، من أوَّلها إلى آخرها، تنبض بإيمان المصريِّين بالخلود. فالموت عندهم ما كان إلا سياحة بين عالَمين أو انتقالاً من شاطئ الحياة الأدنى إلى شاطئها الأقصى. وإذ إنَّ حكماءهم كانوا يدركون كلَّ الإدراك أن العامة من الناس أجهل من أن تتناول الحقيقة مجرَّدةً عن الحسِّ تراهم أقاموا لها بنايات عديدة من الرموز كيما يسهِّلوا عليهم الوصول بالحسِّ إلى ما هو أبعد من الحسِّ. وكان أحد رموزهم طائرًا من نوع الغرنوق أو مالك الحزين، وكانوا يدعونه "بنُّو" – والاسم مشتقٌّ من كلمة تعني الرجوع. وهذا الطائر كان يمثِّل في أساطيرهم وعلى رأسه ريشتان منحنيتان إلى خلف.




مَن يطالع كتاب الموتى يرَ أن طائر البنُّو كان يرمز إلى رَعْ – الإله الذي ولد نفسه من نفسه وما كان يعرف الموت؛ النهار المنبثق من حقوَي الليل، والنور المتغلِّب أبدًا على الظلمة. فمن هذا القبيل، وكذلك من حيث الصلة بينه وبين هليوبوليس، نرى أن طائر البنُّو يشترك في بعض خصائص الفينكس. غير أنه ليس مذكورًا في كتاب الموتى أو في كتاب آخر كطائر يموت بالنار مرَّة في كل خمسمائة سنة أو أكثر ثمَّ ينهض متجدِّدًا من رماده.

إلا أن كاهنًا مصريًّا اسمه "هورابولُّو" قد أوجد صلة متينة بين الطائر المصري والفينكس، وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد. ففي الترجمة اليونانية لكتاباته نسمعه يتكلَّم عن طائر معروف عند المصريِّين وفي تقاليدهم. واسمه في الترجمة اليونانية "فينكس". وبعد أن يتكلَّم هورابولُّو عن ظهور هذا الطائر مرَّةً في كلِّ خمسمائة سنة يصف موته هكذا:

عندما يشعر الفينكس بدنوِّ أجله يطرح نفسه بعنف على الأرض فينجرح ويسيل دمه. ومن دمه المتجمِّد يولد فينكس جديد. وهذا حالما يكتسي بالريش يطير بوالده إلى هليوبوليس. وإذ يبلغانها يموت الوالد عند شروق الشمس. فيحرقه الكهنة المصريون. وأمَّا الفينكس الجديد فينطلق إلى بلاده.

من بعد هورابولُّو أخذت حكاية الفينكس تنتشر وتزداد شهرة في الغرب، إلى حدِّ أنَّها استرعت انتباه المؤرِّخين والشعراء واللاهوتيِّين القدماء. ومنهم هيرودوتس. فهذا المؤرِّخ، في سياق وصفه لسياحة قام بها في مصر، يتكلَّم عن الفينكس كما لو كان طائرًا عربيًّا. ثم يضيف متحفِّظًا: "أمَّا أنا فلم أبصره إلا في الصور." لكن الشاعر أوفيد لا يتحفَّظ أبدًا في وصفه. فهو يتحدَّث عن الفينكس كطائر يجدِّد ذاته بذاته، ويتغذَّى بالعطور لا غير. ويقول إنَّه، بعد أن يعيش خمسمائة سنة، يبني لذاته عشًّا من القرفة والناردين والمرِّ في رأس نخلة. وفي ذلك العشِّ يلفظ آخر أنحابه. ومن جثَّته يولد فينكس جديد. وهذا، عندما تكتمل قواه، ينتشل العشَّ الذي هو مهده ولحد والده ويطير به إلى هليوبوليس حيث يضعه في هيكل الشمس.

وأكثر جرأة من الشاعر أوفيد المؤرِّخ تاسيتوس الذي لا يتردَّد في ذكر ظهور الفينكس كحادث تاريخي في زمان القنصل بولس فابيوس (34 م).

هكذا درجت حكاية الفينكس على ألسنة القدماء وأقلام كتَّابهم وشعرائهم. وكان آباء الكنيسة أكثر الناس إقبالاً عليها. فقد اتَّخذها أمثال ترتوليانوس وكليمنضوس وأبيفانيوس رمزًا لقيامة المسيح من الموت. وغيرهم وجد فيها شاهدًا لا يُدحَض على ولادة المسيح من عذراء.

مِن أقدم الآثار الكنسية التي ورد فيها ذكر الفينكس كتاب الفيزيولوغوس الإسكندري؛ وهو مجموعة حكايات وثنيَّة عن الحيوانات والطيور استخلص منها جامعوها مواعظ وإرشادات وحججًا دينيَّة. وقد ورد فيها أن الفينكس طائر هندي لا يتغذَّى بشيء غير الهواء؛ ومرَّةً في كل خمسمائة سنة يقصد إلى هليوبوليس حاملاً أنواع الطيب على جناحيه. وهناك يحرق نفسه على مذبح الهيكل، فتخرج من رماده دودة تتحوَّل بعد ثلاثة أيَّام إلى فينكس كامل. وهذا الفينكس يحيِّي الكاهن ثمَّ يطير إلى بلاده.




وفي اللاتينيَّة كتاب يدعى Anecdota Syriaca، أو الحكايات السريانيَّة، وردت فيه أسطورة الفينكس كما يلي:

يقولون كذلك إن في بلاد الهند طائرًا عظيمًا يأتي مرَّةً في كل خمسين (كذا) سنة إلى جبل لبنان. وهناك يجمع أطيب العطور وأجمل الأزهار ثم يعود إلى الهند. ومجيئه يكون في شهر نيسان. ففي ذلك الشهر يقيم كاهن المنطقة مذبحًا على قمَّة جبلٍ عالٍ ويبني حول المذبح شبه بيت من أغصان الكرمة. فيأتي الطائر ويدخل البيت ويقف على المذبح، ثمَّ يأخذ يصفق بجناحيه حتى يلتهبا ويلتهب البيت معهما فيصبح الكل رمادًا. وبعد ثلاثة أيَّام يصعد الكاهن إلى قمَّة الجبل ويتفحَّص الرماد وفيه يجد دودة صغيرة. والدودة هذه تكبر ثمَّ تتحوَّل طائرًا كالذي احترق. وهذا الطائر يعود من حيث جاء.

***

لقد بقي الإيمان بالفينكس حيًّا حتى عصر التجدُّد Renaissance. وبعد ذلك أخذ يتقهقر من وجه "العلم" الذي لا يؤمن إلاَّ بالبرهان "الحسِّي". حتى أصبح "خرافةً" قلَّ من يهتم بها. وأكثر الناس لا يعرف منها غير الاسم. ولكنَّ الفينكس ما أُدرِجَ في أكفان الإهمال والنسيان إلا من بعد أن خلَّف لنا آثارًا لا تمحى من روعة جماله ومعانيه.

ويندر أن تجد أمَّة قديمة لم تنسج على مثال الفينكس ولم تخلق لها طائرًا قريبًا منه. فالعرب قد خلقوا العنقاء والفُرس "السيمورغ" والهنود "غارودا" والصينيُّون "فَنْغْ–هْوانْغ" واليابانيون "هُوْ–أوْ". ومن شاء أن يقابل بين رقيِّ الأمم الروحي فليقابل بين الطيور التي ابتدعها خيالها. ففي المقابلة درسٌ طريف ولذَّة لا تُنكَر.

أمَّا أنا فلي لذَّة أكبر في درس الفينكس. وقبل أن أودِّع هذا الطائر العجيب أُحبُّ، إذا استطعت ذلك، أن أنفذ إلى سرِّه، فأعرف القصد من خلقه.

لِنَقُل إن الفينكس رمز. ولكن إلى مَ يرمز؟ ألعلَّه وليد شوق الإنسان الفاني إلى عدم الفناء؟ أم لعلَّه قناع من الجمال حاكه الوهم لأعين قرَّحتْها الشناعة؟ أم هو رؤيا من رؤى الإلهام الذي ينير الآباد بطرفة عين وينشب من خلال الأشكال إلى روح الأشياء وجوهرها؟

إنَّ أكثر البحَّاثين الذين وقفتُ لهم على رأي في الفينكس يتخلَّصون منه بقولهم إن قدامى المصريِّين اتَّخذوه رمزًا للشمس في شروقها وغروبها لأنَّهم كانوا يعبدون الشمس تحت اسم رَعْ. وإذ إنَّني لست بالبحَّاثة ولا بالعالِمِ الأثري، تراني أبيح لنفسي مخالفة هذا الرأي من غير أن أجلب لذاتي سخط البحَّاثين وعداوة العلماء.

لا جدال في أن سواد الشعب المصري القديم كان يتَّخذ الشمس معبودًا له. أما مؤلِّفو كتاب الموتى، وشائدو الأهرام، وخالقو أبي الهول وإيزيس وأوزيريس وأسرارهما، ومعلِّمو ديموقريط وبيثاغورس وأفلاطون، فكيف تصدِّق أنهم كانوا يعبدون جِرمًا سماويًّا – مهما عَظُمَ ذلك الجِرم وعَجُبَ – وهم قد رادوا الفضاء واكتشفوا سبل النجوم؟ بل إن الشمس لم تكن لمثل هؤلاء غير رمز محسوس لإله غير محسوس – لِرَعْ الوالد ذاته من ذاته، المحيط بكلِّ شيء والذي لا يحيط به شيء، المبدع الأشكال ولا شكل له، والخالق البدايات والنهايات ولا بداية له ولا نهاية. وما آلهة المصريِّين، على وفرتها، سوى صفات متنوعة لذلك الإله الواحد.

إن من يقرأ كتاب الموتى – ولو قراءة سطحيَّة – لا يسعه أن يقول غير هذا القول. وأنا أجلُّ حكماء المصريِّين عن حماقة تجعل من الشمس رمزًا لِرَعْ، ثم تخلق الفينكس الذي لم يكن يبصره غير نفرٍ قليل من الناس – وذاك مرَّة في خمسة قرون – لتجعله رمزًا للشمس التي يراها كلُّ ذي بصر في كلِّ يوم. إنَّما يرمز الفينكس إلى ما هو أبعد من الشمس وأبقى بما لا يقاس – إلى الحياة في مظهريها كمادَّة وروح.

في خواء الظواهر المتقلِّبة تعوَّد الناس أن يميِّزوا بين نوعين من التغير، وأن يدعوا الواحد حياة والآخر موتًا. أما الفينكس فكأني به يقول إنَّ الموت والحياة واحد لأن مصدرهما واحد، وهو الروح المرموز إليه بالنار. فالنار أبدًا هي هي. تلتهم الأشياء ثمَّ تكثرها وتنوِّعها. لكنَّها لا تلتهم ولا تكثر أو تنوِّع ذاتها. هي النار – أو الروح – تلك الحياة الأولية التي يدعوها العلم الحديث "الطاقة" – تنظِّم ذرَّات الأشياء على اختلاف أنواعها ثم تنثرها. فهي متغلغلة في كل شيء: في ركام الجليد الطافي على وجه اليمِّ مثلها في الشمس؛ وفي الزناد مثلها في  كتلة اللحم النابضة في صدر الإنسان. وهي عندما تلتهم شيئًا تردُّه إلى عناصره الأصليَّة؛ فلا تتلاشى بل تنعتق من سجنها الوقتي. وهكذا عندما يحرق الفينكس نفسه لا "يموت" حتى لحظة واحدة. لأن النار التي هي روحه تبقى كامنة في رماده. وهي التي تعود فتجمع ذرَّاته من جديد فتكوِّن منها فينكسًا جديدًا. فهو وإن بدَّل جسده مرَّة في كلِّ خمسمائة سنة لا يبدُّل الروح التي لا يطرأ عليها انقطاع أو تغيير.

ثم إن الناس يباهون بما يدعونه "نموًّا" و"تقدُّمًا". أما الفينكس فكأنِّي به يقول أن ليس في الحياة نموٌّ وتقدُّم. إذ إن كلَّ ما ينمو يحمل في داخله جراثيم انحلاله. وكلُّ ما ينحلُّ لا يدوم. وكل ما لا يدوم لا وجود أو لا حقيقة له في ذاته؛ بل هو يستمدُّ حقيقة وجوده من الحقيقة الواحدة التي هي اليوم مثلها أمس، وغدًا مثلها اليوم؛ فلا يطرأ عليها أقلُّ تغيير أو تبديل. وهي لا "تنمو"؛ إذ لا شكل لها ولا قياس، ولا بداية ولا نهاية. وهي لا "تتقدَّم"؛ إذ ليس في الوجود ما هو خارج عنها لتتقدَّم من ذاتها إليه. والفينكس يقول إن السبيل الأوحد إلى "النموِّ" هو بالنقصان أو بالتقلُّص – بالتجرُّد من الأشكال الخارجية للوصول إلى الحقيقة الكامنة في الأشكال – إلى النَّار التي هي رمز الروح الكائن في كلِّ شيء. وإن السبيل الأوحد إلى "التقدم" هو بالرجوع إلى الوراء – كلٌّ إلى هليوبوليسه.

أما المدة التي يحياها الفينكس بين التجدُّد والتجدُّد والتي تختلف باختلاف الروايات بين خمسين، وخمسمائة، وخمسمائة وثمانين، وألف وأربعمائة وإحدى وستين، وسبعة آلاف سنة فالمتفق عليه أنها ترمز إلى أدوار وتقلبات فلكيَّة. فلنتركها للفلكيِّين. غير أنَّ فيها معاني لا صلة لها بالأفلاك. فكأنِّي بالفينكس الذي يعمِّر أجيالاً طويلة يقول إن أعمار الكائنات موقوفة على جمال حياتها الباطنيَّة وانسجامها مع ذاتها ومع ما حواليها من كائنات سواها. فهي تطول بطول ذلك الانسجام وتقصر بقصره.

هكذا نرى الفينكس الذي لا يسطو على مخلوق من أجل طعامه، ولا يقاتل مخلوقًا في سبيل رفيقة أو عشيقة، يعيش في أُلفة مع كلِّ مخلوق. ولأنَّه لا يشتهي شيئًا تراه لا يخاف شيئًا بل يحيا في سلام مع كل شيء. ومن ثمَّ فأنا لا أعرف مثالاً كمثال الفينكس يبين لك أن نقاوة الجسد – كنقاوة القلب – قوَّة لا تُقهر. فهذا الطائر لا يغذي جسده بنبات الأرض أو حيوانها بل بعطورها؛ لذلك يعمِّر قرونًا طويلة. إلاَّ أن هذا الغذاء، على كل ما فيه من طهارة، معرَّض للانحلال. ولذاك يعرض جسد الفينكس للانحلال، ولو بعد قرون. فالنظام الأعلى قد حتَّم على كل ما يولد من مصدر قابل للتغير أن يكون عبدًا للتغيُّر؛ وعلى كل ما يتغذَّى بالمادة أن يكون غذاء للمادة؛ وعلى كل ما يأخذ أن يعطي على قدر ما يأخذ؛ وعلى كلِّ ما يشتهي شيئًا خارجًا عن ذاته أن يكون محطًّا لشهوات الأشياء الخارجة عن ذاته.

هنالك صفة تفرَّد بها الفينكس عن كل الطيور التي ابتدعها الإنسان على شاكلته. فهو أبدًا وحيد، لا رفيق له من جنسه. فكأنَّه ذكر وأنثى معًا. وكأنِّي به يعلن بذلك مع الناصريِّ أنَّ في الكون أرجاء من الوجود "لا يزوِّجون فيها ولا يتزوَّجون"، وأنَّ الذكر والأنثى عنصران مختلفان في دورة محدودة من دورات الحياة، وأنَّ الاثنين يتوحَّدان في عوالم غير عالمنا هذا.

ولكَ، إن أنت آنَستَ من نفسك ميلاً إلى التعمُّق في بواطن الحياة، أن تقرأ في الفينكس معاني غير التي قرأت، وأجمل ممَّا قرأت. إلا أنك قد تكون ممَّن لا يؤمنون بغير ما يبصرون ويلمسون. وإذ ذاك فالغراب أحقُّ بإيمانك من الفينكس؛ وما الفينكس عندك غير خرافة متهرئة وأسطورة قديمة. ألا خُذْ غرابكَ وأعطني الفينكس.

ها أنا أُطبِق أجفاني فتنهض أمامي من خراباتها مدينة "آنُّو" العاتية الزاهية – هليوبوليس – مدينة الشمس. وفي وسطها أُبصر هيكل رَعْ في كلِّ أُبَّهته وجلاله. وعلى مذبح الهيكل أُبصر طائرًا مغمورًا بنور الشمس وهو يصفِّق بجناحيه البديعين تصفيق غبطةٍ وجذل. ها صدره القرمزي يلتهب فتتحوَّل كل ريشة فيه إلى لسانٍ من نار. ثم يتحوَّل الطائر كلُّه إلى ذبيحة متوهِّجة ونور معطَّر وعناق محرق بين الحياة والموت. وإذ تهدأ النار فأبصر فينكسًا ناهضًا من كومة الرماد أهتف كالمسحور مع كاهن الهيكل:

يا رَعْ! أيُّها الكائن الجميل الذي يجدِّد ذاته في حينه. أيُّها الطفل الإلهي. يا وريث الأبديَّة. يا والد نفسه. يا أمير الأرجاء السفلى ومدير الأحياء العليا. يا إله الحياة. يا ربَّ المجد. كلُّ نسمة تحيا بشعاعك!

*** *** ***


* ميخائيل نعيمه، صوت العالم، مؤسسة نوفل، بيروت، 1988، ص 96-114.

منقول من معابر
سجل

 أبو نظير .. للجماعة أمير: الذي منُّو وربّي يسّر !
http://ateismoespanarab.tk
 الحاصل في العالم العربي الآنْ .. ثورات تقتلع كل طغيانْ!
<a href="http://www.youtube.com/watch?v=_V8mxlq9ZsM" target="_blank">http://www.youtube.com/watch?v=_V8mxlq9ZsM</a>
فينيق
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 10,374


مُلحد بفضلْ الله, لا بفضلْ داروينْ!


الجوائز
« رد #1 في: 21/01/2010, 08:52:55 »



تمهيد:

معظمنا سمع وقرأ عن طائر الفينيق Phoenix، وليس من أحد يسأل عن ماهية أسطورة الفينيق! فبعض الذين يعرفون هذه الأسطورة لا يعلِّمونها على حقيقتها المرتبطة بأرض كنعان والمتميزة عن باقي الأساطير المنتشرة في أمصار العالم القديم كافة، مثل مصر وبلاد ما بين النهرين واليونان والصين والجزيرة العربية، ولدى الشعوب القديمة في المكسيك، إلخ. فلكلِّ حضارة أسطورتها التي تختلف عن سواها في بعض التفاصيل، لكن الهدف يبقى واحدًا، وهو أن الفينيق، بعد أن يحترق ويموت، يعود إلى الحياة – مما يعني أن بعد الموت قيامة.

أسطورة الفينيق كنعانية المنشأ بلا ريب، أي أنها نبتت في أرض كنعان، فينيقيا. ذكرت في كتابي الكنعاني الأول أن كلمة فينيق مرادفة لاسم كنعان، وأن أحد أسباب إطلاق صفة "فينيقي" على الشعب الكنعاني هو نسبته إلى طائر الفينيق الذي كان رمزًا له.

وقد شاءت المصادفة أن أكتب رواية تاريخية ترتكز بدايتها على طائر الفينيق الذي يختار الفتاة التي تحمل رسالة السلام إلى العالم. جُمِعَتْ معطيات هذه الأسطورة كلُّها ونُسِّقَتْ ضمن الإطار الكنعاني: فالقصة تتكلم عن الملكة تِيي TIYI الكنعانية[1] التي حملت فكرة الإله الواحد إيل من أرض كنعان إلى مصر، حيث تزوجت الفرعون أمنحوتب الثالث الذي حكم مصر في القرن الرابع عشر ق م؛ وهي أم أخناتون الذي أعاد إحياء فكرة الإله الواحد وأسماه أتون (بتأثير من أمِّه الكنعانية غالبًا).

نقتطف هاهنا مقطعًا من الرواية التي لم تنتهِ فصولُها بعد، لنضعها بين أيدي المتشوقين إلى معرفة هذه الأسطورة.

ملاحظات:

القصة مكتوبة في أسلوب الرواية السينمائية، لا في أسلوب الأقصوصة الروائية.
القصة لم تصحَّح بعد، فهي في حاجة إلى ذلك؛ والمقالة في حاجة إلى توليف editing.
المراجع (مع حفظ الألقاب): سعيد عقل، ميخائيل نعيمه، جواد بولس، فؤاد أفرام البستاني، يوسف الحوراني، هنري زغيب، ومواقع كثيرة على الإنترنت تكلَّمت عن الأسطورة.
***

 

مدخل

كانت العذراء تيي تصلِّي في المعبد أمام تمثال عشتروت[2] في جبيل، عندما سقطت إصبع من يد التمثال. خافت تيي وهربت. ثم التقت كاهن المعبد الذي، بعدما أعاد الإصبع إلى مكانها، أخذها إلى لوحة قديمة تتكلَّم عن نبوءة.

النبوءة والفينيق

توقفا أمام حائط مغطى بنبات العريش والأعشاب البرية، فأزالها الكاهن بيديه وأزال أيضًا بعض التراب، لتنكشف لوحةٌ مكتوبة بلغة كنعانية قديمة ورموز وطلاسم. نظر الكاهن إلى اللوحة مليًّا. وضع يده يتلمَّس حروفها، كأنه كفيف يقرؤها بحاسة اللمس؛ فبعض الحروف تآكلت مع الزمن. قال:

عندما أنفض رماد الموت عنه أبعثه حيًّا... سيبحث عنها قبل موته مجددًا... أُعطيها المفتاح بعد أن يهتز... أميرة جميلة تحمل سمات البشر... لا هي بيضاء ولا سوداء... تتكلَّم بلغاتهم وستحمل رسالتي إلى العالم... أكون معها أنَّى ذهبتْ... موجود في بيضة القلب...

قالت تيي:

-       قد علمت، أيها الكاهن شمشئيل[3]، لكني لم أفهم. فما القصد من هذه العبارات؟

-       تيي، يا ابنتي، اسمعيني جيدًا. هذه اللوحة تعني أن طائر الفينيق، عندما يقوم من موته، سيبحث عن الفتاة...

قاطعتْه:

-       طائر الفينيق؟! إذن لم أكن أحلم. رأيته... وأحسست أنه يكلمني...

لم يدعها تكمل حديثها عندما قال:

-       طائر الفينيق سيشير إلى الفتاة التي ستحمل رسالة الأميرة المختارة. إنه يعيش الآن أواخر أيامه، وسيعود إلى جبال لبنان ليبني عشَّه. نظر إليها وتابع:

-       أنت فتاة جميلة، وصفاتك مثل صفاتها، وقد درستِ اللغات في أوغاريت[4]. لقد اختارك الفينيق، والإلهة عشتروت أعطتْك المفتاح.

عقدت تيي حاجبيها، وحركت رأسها قليلاً، وسألته في تعجب ظاهر:

-       المفتاح؟!

-       أجل، إصبع التمثال التي وقعت على الأرض.

سكت قليلاً. وضع يديه خلف ظهره، ومشى قليلاً وهو ينظر إلى جدران المعبد. تنهد وقال:

-       كنت أنتظر، كأجدادي وآبائي، هذه اللحظة لتكتمل النبوءة، فنعرف ماذا يوجد في سرداب المعبد.

نظر إلى تيي التي مازالت في حالة الاستغراب، وقال:

-       اتبعيني، يا ابنتي.

مشت تيي وراء الكاهن، لكنها توقفت سائلة:

-       أنا لست أميرة!

ابتسم الكاهن، والتفت إليها قائلاً:

-       ألا تظنين نفسك أميرة؟! أما حلمت يومًا بأنك أميرة؟!

اكتفت تيي بالابتسام، وأكملت:

-       أخبرني... كيف وصلت هذه الأشياء إلى هنا؟ والمفتاح، ما قصته؟

مشى الكاهن في تمهل، ومشت تيي إلى جانبه. قال:

-       نزلت النبوءة على ملكي صادق[5] عندما جاءه صوت الإله إيل يخاطبه قائلاً: "ابحثْ لي عن هذه الفتاة وأعطِها ما سأعطيك." هذا ما حدث منذ خمسمائة ربيع. وقد أرشده طائرُ الفينيق إلى الأميرة التي جمعه بها حبٌّ سماوي. عملا معًا على نشر السلام في أرض كنعان، ابتداءً من مدينة يبوس التي تُعرَف باسم أور–ساليم[6]. ثم تناهى إلى بعض اللصوص أن مع الأميرة المختارة شيئًا لا يُقدَّر بثمن، فقاموا بقتلها، لكنهم لم يجدوا معها شيئًا، فظنوا أن مَن يملك هذا الشيء يملك ثروات الأرض ويصبح خالدًا.

تنفس الكاهن الصعداء، وأضاف:

-       بعد موتها، حزن ملكي صادق كثيرًا، واختلى بنفسه، حتى أتاه كلام إيل ثانية، وأمره بما يجب أن يفعله بعد هذه الحادثة الأليمة. اجتمع ملكي صادق مع تلاميذه السبعة وأعطاهم التعليمات؛ فبنوا الهيكل هنا في جبلة[7] ونحتوا تمثال عشتروت، ووضعوا المفتاح في طرف الإصبع من الداخل، وأعادوا الإصبع إلى مكانها، بحيث لا يراه ولا يعرف أحد مكانه سواهم، وخبَّؤوا ما كانت تملكه الأميرة المختارة في مكان سرِّي داخل المعبد، وكتبوا اللوحة لخوفهم من ضياع النبوءة.

-       لكن كيف تقع إصبع التمثال وحدها؟! سألته تيي.

-       لم تقع وحدها، بل بسبب هزة خفيفة لم تشعري بها، حدثت عندما مرَّ طائر الفينيق فوق المعبد! فهو يصدر صوتًا غير مسموع، تحدث معه ارتجاجات. وهو قصد أن يوقع المفتاح، وحدث ذلك عندما علم أنك داخل المعبد... لأنك أنت المختارة الآن!

هزت تيي رأسها بحركات صغيرة ومتتابعة، وقالت:

-       الآن فهمت كلَّ شيء! أن أكون أنا المختارة، هذا كثير علي!

عند ذاك وصل الكاهن وتيي إلى باب المعبد.

غرفة الفينيق

نظر إليها الكاهن نظرة فيها بعض الأمل، وقال:

-       الخيار خيارك الآن لتكملي المهمة السماوية: إما أن تدخلي وتستعملي المفتاح وتأخذي ما لك، وإما أن ترجعي من حيث أتيت لننتظر خمسمائة سنة أخرى!

لم يكن القرار صعبًا على تيي التي قالت:

-       إن تكن هذه مشيئة إيل فليكن لي بحسب قولك!

دخلا باب المعبد، واقتربا من تمثال عشتروت في صمت. كانت تيي تسمع دقات قلبها من شدة الإثارة، وربما بسبب الخوف من هذه المسؤولية. دنا الكاهن من يد التمثال ليأخذ المفتاح. مدَّ يده، لكنه توقف. قال:

-       تيي، انتزعي أنتِ المفتاح!

اقتربت وهي تنظر إلى عينَي عشتروت، كأنها تعتذر منها. مدَّت يدها في حذر إلى يد التمثال، وانتزعت الإصبع–المفتاح بحركة مرتجفة. (وهنا سر المفتاح الذي لا يُنتزَع إلا بحركة ارتجاجية.)

قادها الكاهن إلى ما وراء التمثال، واقترب من الحائط، ثم وقف قليلاً يتلمس موضعًا ما، فوضع يده عليه، وضغط براحة كفِّه بقوة في مكان معين. صدر صوت صرير، صوت حجر يسحن حجرًا آخر، ممتزج بصوت بوابة حديد عتيقة أكلها الصدأ وهي تدور على محورها. تحرك الباب الذي يشبه الحائط ودار على وسطه، فأصبح نصفه داخل المعبد والنصف الآخر في السرداب. حمل الكاهن الفانوس الزيتي وبدأ ينزل درجات السرداب السبع، وتبعتْه تيي بفانوسها خائفةً، تتلفت حولها وهي تزيل خيوط العنكبوت التي ملأت المكان كيلا تشتبك بشعرها. وصل الكاهن إلى حائط مسدود عليه آثار تحطيم. أردف قائلاً:

-       أجل، حاول بعض اللصوص فتح ثغرة فيه... وهنا وجد أبي أحدهم مغشيًّا عليه. عندما استفاق لم يسأله والدي لماذا فعل ذلك، بل سأله ماذا حدث معه. أجابه اللص: "البارحة كانت ليلة دامسة الظلمة من أيام الشتاء التي يكثر فيها اللمع والبرق. جئت أبحث عن الهدية السماوية. وعندما حاولت كسر الحائط، خرج نور قوي من ثقب المفتاح غمر المكان، ولا أدري إن كان نور البرق. بدا جميلاً، تشعر معه بالصفاء وتسري فيك قشعريرةٌ لذيذة. حاول أن يخترقني. وعندما رفضتُه وقاومتُه، أحسست كأنني أقف في الفراغ، وسقطت في هاوية عميقة مظلمة لا تنتهي، ولم أدرك شيئًا حتى هذه اللحظة."

في صمت، وقفت تيي والكاهن أمام الحائط المسدود ينظران إليه. كان هناك ثقبان: ثقب مفتاح، وفوقه ثقب دائري، وبعض الرموز وكتابة كنعانية قديمة في أسفل الباب الحجري. جلس الكاهن القرفصاء، وقرَّب نور فانوسه ليقرأ الأحرف في وضوح. وضع يده على الرموز المكتوبة وبدأ في قراءتها في تمتمة ظاهرة. لقد سبق له أن قرأها مرارًا، لكنه أراد أن يتأكد من كيفية فتح هذا الباب بحسب التعليمات المعطاة ليتجنب أية لعنة أو مفاجأة.

تمثال الفينيق

قال الكاهن لتيي:

-       أطفئي فانوسك واسكبي زيته في الثقب. صمت قليلاً، ثم قال:

-       أدخلي المفتاح في ثقب المفتاح وأديريه مرتين.

خَفَتَ النور في السرداب بعدما همدت شعلة فانوس تيي. سكبت الزيت في الثقب، ثم أدخلت المفتاح. لم تشعر تيي بأية مقاومة، ثم سمعت تكة خفيفة مرتين، فقالت:

-       لا أشعر بأني أفتح قفلاً!

ردَّ الكاهن:

-       إن كهَّان ملكي صادق علموا أنه سيمر وقتٌ طويل قبل أن يُفتَح هذا الباب، لذلك جعلوا منه شبه قفل لكي لا يتسبب الصدأ في تعطيل الباب، وتركوا ممرًّا صغيرًا ليُسكَب منه الزيت على حديد القفل، فتسهل حركتُه. الآن ضعي إصبع المفتاح في ثقب الزيت واضغطي.

سحبت تيي المفتاح، وقلبته، ووضعت الإصبع في الثقب المفصَّل على شكل الإصبع وحجمه. ضغطت تيي في قوة، فسمعت تكة قوية وصوت حجر يتحرك من مكانه جعل الباب ينفصل عن حائط السرداب. نظر أحدهما إلى الآخر نظرة نجاح وإثارة ممزوجة ببعض الخوف. دفع الكاهن الباب في قوة بكلتا يديه بعدما أعطى تيي الفانوس. فُتِحَ الباب.

دق القلبان في سرعة وهما ينتظران انقشاع الرؤية في الغرفة. أول ما طالعهما في هذه الغرفة الباردة رائحة الرطوبة والتراب مع بعض العفن. أخذ الكاهن الفانوس من تيي وأضاء المشعلين اللذين كانا إلى يمين الباب ويساره. اخترق نورهما ظلام الغرفة الصخرية الصغيرة الحجم ذات السقف الواطئ: غرفة مزخرفة برسوم جدارية للأميرة المختارة وملكي صادق. وفي واجهتها، طالعهما تمثال لطائر الفينيق، رجلاه في الأرض وجناحاه مفتوحان وملتصقان بسقف الغرفة ويحتلان مساحة كبيرة من جدرانها. سقف الغرفة كأنه قبة السماء، رُسِمَتْ عليه الشمس والكواكب والنجوم، وقد لُوِّن بألوان زاهية، وتآكل بعض الطلاء بعامل الزمن. فغرت تيي فاها من روعة جمال الغرفة. حدق الكاهن في الرسوم والمنحوتات في دقة ظاهرة: كلها يتكلم عن قصة ملكي صادق والنبوءة. قال، قبل أن تسأله تيي التي تعودت كثرة الأسئلة:

-       الظاهر أن الكهان أولوا اهتمامًا كبيرًا بهذه الغرفة، فأعطوها معنى روحيًّا وسماويًّا، وأعطوا طائر الفينيق الدور الأهم بجعله صلة الوصل بين السماء والأرض، بين الإله والشعب، بين الجنة السماوية والحياة الأرضية، وكتبوا بالرسوم قصة النبوءة وطائر الفينيق مع ملكي صادق والأميرة.

في اليوم الثالث بُعِثَ حيًّا

قالت تيي:

-       أيها الكاهن، أخبرني عن طائر الفينيق!

وبدأ الكاهن في الكلام، وهو يتلمس الجدران باحثًا عن الهدية السماوية، قال:

-       عاش طائر الفينيق في الجنة. وكما شاهدتِه، حجمه نسري، لونه ذهبي ناري، وهذا من أهم صفاته. على رأسه طرة من الريش كأنها تاج. جناحاه أكبر من جناحي النسر العادي، وريشه ناعم الملمس ملائكي. يظهر له ذنب طويل من الريش الأحمر البرتقالي والأصفر خلال أسفاره الطويلة. فبعد أن نيَّف على الألف ربيع واكتسب المقدرات السماوية والحكمة، أراد أن ينزل إلى الأرض لكي يرى كيف يعيش الناس، فيشاركهم آمالهم وأفراحهم. شقَّ هذا الطائر الألفي طريقه من الجنة إلى الأرض، وقطع البحار والجبال والسهول، حتى استوقفتْه رائحة اللبان والبخور الصنوبري المنبعثة من جبال لبنان، فبنى عشَّه على أعلى شجرة أرز من اللبان والمر والعنبر. وفي الصباح، عندما لاحت خيوط الشمس، شاهد شروقًا لم يبصر له نظيرًا في جماله خلال جميع أسفاره، فبدأ ينشد الأغاني السماوية بصوته العذب الملائكي. وعندما سمعه إله الشمس، خرج إليه وهو على عربته التي تجرُّها أربعة أحصنة نارية ليشكره، وأراد أيضًا، عند طلبه، أن يريه آلام الناس وعذاباتهم. نقل إله الشمس لطائر الفينيق صورة حية وحسية عن الحياة الأرضية. بدأ الطائر الألفي في الصراخ من الغضب والألم لما أحس به من عذاب وظلم بين الشعوب، وبدأ يضرب بجناحيه داخل العش، فبدأ العنبر يطلق ومضات ولمعات. أجفلت الأحصنة، وضربت بحوافرها في قوة، فطارت شرارات نارية إلى العش كانت كافية لإحراق الفينيق في داخله. لم يغادر هذا الطائر عشَّه، فاحترق باختياره، مشاركًا الشعب في آلامهم وعذاباتهم، وتحوَّل إلى رماد.

استمعت تيي إلى الكاهن في شغف، ثم سألته في استغراب:

-       إذن ضحى بنفسه حرقًا؟!

أردف الكاهن قائلاً:

-       أجل... لكن لم تكن هذه نهاية الفينيق، بل البداية. خرجت بيضة من تحت الرماد. في اليوم الأول، كبرت البيضة، وفي اليوم الثاني، خرج منها جناحان، وفي اليوم الثالث عاد الفينيق حيًّا. حمل الطائر عشَّه البخوري، وطار به إلى مدينة الشمس بعل-بت[8]، وقدَّمه على مذبح الإله. ثم طار من جديد إلى الجنة. لكنه فضَّل أن يعود ويموت في أرز لبنان على أن يبقى في الجنة السماوية إلى الأبد. هذا ما يحدث كلَّ خمسمائة ربيع أو أكثر قليلاً: يموت الفينيق ويُبعَث حيًّا من رماده.

أضاف الكاهن:

-       طائر الفينيق يمثل الخلود والحياة الأبدية، ويمثل السلام والمحبة، ويحس بآلام البشر على الأرض. وميزة طائر الفينيق أنه يُحيي من رماده ويشفي من دمعه. يقال إنه أحيا أحد أبناء أجدادي هنا في جبيل، واسمه ريسى[9]. إذا بكى على أيِّ جرح يبرأ. وإذا مرَّ، ترك وراءه رائحة المر واللبان. وحدهم الحكماء والكهان وأصحاب البصيرة المفتوحة يبصرونه؛ لكن عند موته يمكن أن يشاهده الجميع. وحين يشاهَد، تقام احتفالات وطقوس دينية، فينتظرونه ليُبعَث حيًّا كي يحتفلوا. وتطغى البهجة والفرحة على الشعب الذي يعلم أن طائر الفينيق يجول في أرضه ويحميه. وكما تعلمين، يا ابنتي، بما أنه لا يظهر سوى مرة واحدة كلَّ خمسمائة ربيع، فإننا نحتفل بعيده مرة كلَّ ربيع خامس لتمجيده وتخليد ذكراه. ويحل هذا اليوم عند نهاية الشتاء قبل عيد البعل.

استمتعت تيي بأسطورة الفينيق، لكنها بدت حزينة. نظرت إلى تمثال الفينيق في رقة وحنان، وقالت:

-       قصة الفينيق جعلتْني أشعر بالحزن والفرح معًا، بالحب والألم، بالحياة والموت! واقتربت منه وتابعت:

-       كم أنت جميل! كم أحبك! أنت الآن ذاهب لتقدِّم نفسك محرقة وأُضحية من أجل البشر. فقد حان الوقت لذلك بعدما تمت النبوءة.

عندئذٍ بدأت تتلمَّسه وهي تُعرِب عن حبِّها له. وفجأة، رأت شقًّا صغيرًا في بطن التمثال، فتفحَّصته، حتى توقفت عند ثقب صغير على جانب جسم الفينيق، ونادت الكاهن قائلة:

-       ألا تقول النبوءة شيئًَا عن قلب البيضة أو عن القلب؟ انظر هنا!

وبدأ الكاهن يتلمس وسط جسم الفينيق، وقال:

-       يوجد شيء ما بداخله...

حاولت تيي إدخال إصبع عشتروت في الثقب، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا لأنه أكبر من الثقب. وهنا قال الكاهن:

-       تيي! أصبحتِ أنت المعنية. فأنت التي ستفتحين قلب الفينيق!

فهمت تيي إلام قَصَدَ الكاهن، فوضعت إصبعها في الثقب، وضغطت على شيء بارز داخله. سُمِعَتْ تكة، وكانت النتيجة أن فُتِحَ الشق الذي وسط جسم الفينيق. حُبِسَت الأنفاس. اقتربت تيي، ومدت يدها داخل التمثال. كانت هناك بيضة بحجم اليد أو أكبر قليلاً. كانت رصاصية اللون، لا هي خشبية ولا معدنية. قال لها الكاهن:

-       إنه معدن كوني.

أخذت تيي البيضة بين يديها – وكانت مشقوقة في وسطها – ونظرت إلى الكاهن، وكأنها تسأله عما تفعل. هزَّ الكاهن ما في داخل البيضة، ثم خرَّ ساجدًا وبدأ يصلِّي. لم تفهم تيي ما حدث، فنظرت إلى داخل البيضة، فرأت تمثالاً صغيرًا لم تشهد مثله جمالاً. كان لونه أزرق مخضرًّا قليلاً، يبث نورًا أخَّاذًا لامس روحها، فأحسَّت معه بالصفاء والأمان. تلمَّستْه تيي، فكان صلبًا مخمليًّا، لا هو منحوت من صخر ولا من حجر كريم ولا مصنوع من زجاج.

ظلت تيي تنظر إليه وهي مذهولة بروعته وسحره. حتى قال لها الكاهن وهو ينتصب واقفًا:

-       كنت أظن أنها أسطورة، لكنها الآن حقيقة! كل الكهان في أنحاء بلاد الأنهر[10]، منذ القديم إلى اليوم، يتكلمون على تمثال إيل السماوي وهو مستوٍ على عرشه.

سكت قليلاً، وغيَّر نبرة صوته قائلاً:

-       مثلما أخبرني أبي، نقلاً عن أجداده، نُحِتَ تمثال إيل في جبل حرمون[11] على يد أخنوخ[12] وأولاده وأحفاده، ويقال إنه نُحِتَ على مدى سبع وسبعين سنة، وهو مصنوع من حجر سماوي يشبه اليشب. وكانت تقام طقوس عند النحت. وقد استقدموا أهم نحاتي مصر وبابل وكنعان، وكانوا يستعملون أدوات نحت صُنِعَتْ خصيصًا لهذا التمثال. كان النحات يقوم بطقس التطهير بالمياه قبل المباشرة في العمل، وكلُّ نحات يرفض طقس التطهير الذي يوحِّد الجسد والعقل والروح مع الإله إيل يُمنَع من النحت. وعندما ينتهي من ذلك، يضع قطعة من قماش الأرجوان تحت التمثال، ويباشر في النحت. فبهذا لا يقع غبار المنحوتة على الأرض. وكلُّ نحات يطلق اسمًا على كلِّ حبة غبار من بقايا التمثال. وعندما تنتهي الأسماء التي يطلقها، يتوقف عن النحت، ويحتفظ بما معه بعد أن يلفه بقطعة القماش الأرجوانية. ومن هنا كان النحات لا يقدر أن ينحت سوى جزء صغير جدًّا، خاصة أن نور الحجر البرَّاق يبهر أعين النحاتين. ويقال إن مَن يجمع غبار التمثال كلَّه من جديد سيكون ملكًا على الأرض كلِّها...

*** *** ***


 


[1] شخصية تاريخية حقيقية، أبوها الشيخ يويا من فينيقيا وأمها تويا.

[2] إلهة كنعانية ارتبط اسمُها بأسطورة أدونيس.

[3] أي "شمس إيل".

[4] مدينة في شمال كنعان، تقع على الساحل السوري، وُجِدَتْ فيها أول أبجدية معروفة.

[5] كاهن أورشليم الكنعانية نحو سنة 1870 ق م.

[6] أورشليم أو القدس حاليًّا.

[7] الاسم القديم لجبيل الحالية، وهي غير المدينة السورية المعروفة.

[8] أي "بيت البعل"، وهو الاسم القديم لبعلبك.

[9] الاسم مأخوذ من رواية للشاعر سعيد عقل.

[10] أي أرض ما بين النهرين وكنعان ومصر.

[11] جبل الشيخ.

[12] هرمس عند الإغريق أو إدريس عند العرب.



http://www.maaber.org/issue_november05/literature3.htm
سجل

 أبو نظير .. للجماعة أمير: الذي منُّو وربّي يسّر !
http://ateismoespanarab.tk
 الحاصل في العالم العربي الآنْ .. ثورات تقتلع كل طغيانْ!
<a href="http://www.youtube.com/watch?v=_V8mxlq9ZsM" target="_blank">http://www.youtube.com/watch?v=_V8mxlq9ZsM</a>
mr-mind
عضو ناشط
***
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 155



الجوائز
« رد #2 في: 05/08/2010, 13:03:38 »

ما أجمل هذه العبارات :

الغابة تعجُّ بالأصوات من طائر يناجي عشيره أو وحش ينادي رفيقه – إلاَّ هذا الطائر الغريب. فهو لا يناجي أحدًا ولا أحد يناجيه. إذ لا عشير له ولا رفيق، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، ولا في عالم آخر من العوالم الدائرة في الفضاء. سواه من الطيور منهمك في بناء أعشاش أو تربية فراخ؛ أمَّا هو فلا عشٌّ يبنيه ولا فراخ يزقُّها. سواه يرفرف هنا وهنالك طالبًا قوتًا؛ أمَّا هو فلا يقتات بشيء حيٍّ بل بالبخور والعطور. سواه من الطيور يصيح فَرَقًا وقد علق في مخالب عدوِّه؛ أمَّا هو فلا يعرف الخوف لأنَّه لا يؤذي مخلوقًا فلا يؤذيه مخلوق، لا ولا تؤذيه العناصر. هو وحيد في العالم كلِّه. لكنَّه لا وحدة في قلبه ولا وحشة

 Rose
سجل
ارتباطات:
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
 |  في الإلحاد  |  في الميثولوجيا و الأديان  |  موضوع: طَائر الفينكس .. أسطُورَة الحَيَاة المثلَى* / ميخائيل نعيمة « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


free counters Arab Atheists Network
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها