|  علوم إنسانية و شؤون معاصرة  |  تاريخ و ميثولوجيا  |  موضوع: آلهة الأولمب في القرن الحادي و العشرين ! قصة ذات مغزى « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: آلهة الأولمب في القرن الحادي و العشرين ! قصة ذات مغزى  (شوهد 5541 مرات)
Aeolus
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,968


Moon Spell


الجوائز
« في: 11/05/2006, 23:40:13 »

[align=center]بدء الاجتماع
ومعمعة القرن الحادي والعشرين
 

دخل آلهة الأولمب مجمعهم بناءً على طلب سيدهم زيوس، فوجدوه كالح الوجه متجهِّمًا، ساكنًا صامتًا, حتَّى يخاله المرء جلمودًا قُدَّ من صخر. وقف الآلهة صامتين. كانت الرهبة تملأ قلوبهم من تجهُم سيِّدهم مرسل الصواعق. انقضى وقت طويل وعظيم الآلهة غارق في تأملاته المريعة، والآلهة تشتعل في قلبها نارُ الحيرة والفزع من جراء ما ينتظرها من تجهم هذا الإله الغاشم.

رفع زيوس رأسه، وراح ينظر إلى كلِّ إله تلو الآخر. ثم وقف وراح يتأمل كلَّ إله على حدة. وقال: "منذ مدة راح كابوس ذكريات والدي كرونوس، إله الزمن، يطاردني ويؤرقني عندما احتال على أبيه وانتزع منه السلطة، فولدت آنذاك قوة الظلمة والموت والخداع والدمار والانتقام." ثم وضع يديه على رأسه وقال: "آه... ما أبشع سحنتها وما أقسى آلامها! ثم آه، وألف آه، من الحيرة والضياع الأبديين السرمديين." وانتصب وقال: "لكن القدر شاء أن أولد من رحم التكوين لكي أحرِّره من سجنه، ولكي أزيِّنه بالمحبة والعدالة والجنان – بمساعدتكم أنتم معشر الآلهة الأجلاء."

ثم نظر زيوس في الآلهة نظرة ازدراء وقال: "انظروا، أيها الآلهة الأجلاء، إلى هذا الكوكب الأرضي وحاولوا أن تبحثوا فيه عن الحب والعدالة والرحمة." ثم تقطَّب حاجباه وبدأ الشرر يتطاير من عينيه. تابع قائلاً: "إنه كوكب الشر، كوكب الأحقاد، كوكب اللعنات، كوكب الفقر والجوع والمرض. وأنتم، أيها الآلهة الرعناء، ماذا تفعلون؟! أتشهدون بأمِّ أعينكم احتضار هذا الكوكب الغالي على قلبي؟" ثم رفع سبابته وقال للجميع: "كان عليَّ أن أطيح بكم جميعًا من فوق جبل الأولمب قبل أن أشهد ما شهدته اليوم!"

اقترب زيوس من هيرا، إلهة المُلك وأنا التميُّز، وقال: "وأنت، يا زوجتي المخلصة، ويا رفيقة دربي، يا من تمنحين الملك والسلطان لمن تشائين وحيثما تشائين، أما وجدتِ في هذا العالم سوى أولئك السفلة الأرضيين حتى تمنحيهم الملك والسلطان وتسلِّطيهم على رقاب العباد؟ أنظري ماذا اقترفتْ يداكِ. لقد أصبحت السلطة قِبلة القتلة واللصوص وغاية المستبدين ومصاصي دماء الشعوب. آه، لكم أحتقر أولئك الزبانية الذين لطخوا تاريخ البشرية والآلهة بالعار!"

ثم اتجه زيوس نحو ابنه هرمس، رسول الآلهة، وأمسكه بذراعيه وهزَّه بقوة حتى كادت روحه تفارق جسمه، وقال: "وأنت يا رسول الآلهة... يا رسول السلام... يا من عقدتَ بعصاك السلام بين الأفاعي... أترعى السلام بين الوحوش والأفاعي وتترك الإنسان للشرِّ والحرب والدمار؟ أتخذل أبطال السلام من البشر والآلهة، وتكرِّس نفسك شفيعًا للصوص والمحتالين والدجالين؟" ثم دفعه وهو يقول: "اللعنة على الفضيلة المقدَّمة للسَّفلة!"

وانتصب زيوس فجأة، واتجه صوب شقيقه بوسيدون، سيد بحار التكوين والحكمة، وقال له: "وأنت أيها الشقيق العظيم... يا من لا تحجم بحار حكمته عن الفيض على العوالم برجال الحكمة... يا سيد العواصف وصاحب الحربة ذات الثلاث شُعَب... أين رجالك الآن؟ هل تسمي حكماء أولئك الخصيان الذين تركوا دفة الحياة ولاذوا بالفرار وسكنوا على هوامشها، تاركين سفلة الكون تدير عجلته؟! ثم قُلْ لي: كيف تمنح رعايتك وحمايتك لمن فقد الغيرة على الحياة والواجب وأمسى أرعن رعديدًا عنينًا."

ثم نظر بقوة وسرعة إلى أبولون، إله نور المعرفة الروحية، وقال: "نا أاأأأنا لا أستثنيك أنت من هذه التهمة. فإذا كان بوسيدون قد أذِنَ لرجاله بالاختباء في الوكور والجحور فأنت قد مكَّنتَ المحتالين والدجالين من امتطاء عجلة الدين والكهنوت، حتى صارت الأديان بؤرة للأحقاد والكراهيات ومنبتًا للشرِّ وسفك الدم. تركتَ كلَّ دجال يقول لأتباعه: "أنتم أعظم الأمم... أنتم شعب الله المختار... المخلِّص لكم وحدكم دون باقي البشر... الجنة لكم وحدكم، وكلُّ من عداكم خادم وضيع..." ثم ضرب زيوس كفًّا بكف، ووضع يده على جبينه، وقال: "لكن ذاك الإنسان قد صدَّقهم جميعًا!" ثم تساءل: "كيف آمن الإنسان بأن الله رجل عصابات يتحالف مع عصابة كي يبيد الآخرين!" ثم وضع يديه على وجهه وقال: "لكن الحق عليَّ... أنا الذي أطحت بآتا، إلهة الوهم، من أعلى جبل الأولمب، فتملكتْ شرورُها الإنسان... أجل أنا شريككم في الجريمة..."

وبكى زيوس بكاءً مريرًا، ثم رفع رأسه والدموع تملأ وجهه، ونظر إلى أثينا، إلهة الحكمة والمعرفة، وقال لها: "وأنت يا ابنتي... أيتها الأثيرة إلى قلبي... يا من عجزتْ أرحام الإلهات عن حملك فوُلدتِ من رأسي ومن جبهتي... آه، لو تعلمين كم تألمتُ حتى جعلتُ لكِ رأسي رحمًا, كي تأتي إلى العالم إلهة للنصر وللحكمة... لماذا؟ لماذا يا ابنتي تركتِ آتا، إلهة الوهم، تدمر هذا الكوكب الأثير إلى قلبي؟ أين سيفك ودرعك اللذان لم يُخلقا إلا للذود والدفاع عن الحق والعدل؟ ألا ترين نيران الحروب تستعر وتقتل النساء والشيوخ والأطفال بلا رحمة؟"

ثم اتجه بقوة إلى ابنه آريس، إله الحرب، وأمسكه من ذراعيه وهزَّه بقوة قائلاً: "ألم تشبع يا ابن الحرب من لعق دماء القتلى؟ كان عليَّ أن أقتلك لحظة ولادتك، وأن أكسر قلب أمك هيرا قبل أن أراك تقتل بضربة واحدة ملايين النساء والشيوخ والأطفال."

ثم دفعه، واتجه نحو ابنه هيفستوس، إله العلم والممكنات، ورفع سبابته وقال: "اللوم واقع عليك أيها الإله الأرعن! أتضع أسرار علومك وممكناتك بيد صبيٍّ أرعن مثلك، لا يعرف من الحياة سوى التلذذ بلعق جراحها؟! أيها العليم الحكيم، يا من زوَّجك أخي بوسيدون من سيدة الحكمة والكمال كي تُصلِح دمامة الكون وقبحه!"

ودفعه زيوس فأطاحه أرضًا وهو يقول: "اللعنة على العلم الذي لا ينجب سوى الموت والخراب والدمار!"

نظر زيوس إلى جانبه، فلاحت له ابنته أفروديتي، إلهة العشق والجمال، فقال لها ساخرًا: "أهلاً بإلهة الحب والجمال! قد روَّضتِ وحشيَّة أنكيدو البابلي بالحب والجمال... فهل تستخدمين لذَّتك وجمالك في خير هذا العالم؟!" ثم حدق زيوس بأفروديتي نظرة ملؤها الاشمئزاز وقال: "اللعنة على جمالك الذي زاد همجية هذا العالم ووحشيَّته... اللعنة على الإنسان الذي لا يفرق بين الحضارة والدعارة، بين الحب والعهر!"

كانت قلوب الآلهة ترتعد من غضب زيوس، مرسل الصواعق، إلا قلبي العملاقين أطلس، حامل الكون على كاهله، وبروميثيوس، حامل همِّ العالم على كاهله، اللذين كانت لهما خيارات العالم سواء، حلوها ومرها، إبداعها وهدمها.

لقد سجن القدرُ العملاقَ أطلس كي يحمل الكون على كاهله، دون رحمة ولا شفقة. وسجن زيوس العملاق بروميثيوس كي يستخلص منه سرَّ الإنسان الذي يستطيع التفوق عليه. لهذا قيَّده زيوس على صخرة في أقصى أقاصي العالم وغرس في صدره حربة؛ وأكلت الطيور كبده آلاف المرات.

كان بروميثيوس ينظر إلى حيرة زيوس وضياعه ويقول في قلبه: "لو ذقتَ من الألم الذي ذقتُه بسببك لتفجَّرَ قلبُك ألف ألف شظية!"

جلس زيوس على عرشه حيرانًا محبطًا. أذنت زوجتُه هيرا لنفسها أن تتكلَّم قبل أن يؤذَن لها، بما أنها لا تسمح لنفسها بهذا عادة، خاصةً وأنه يحق لها ما لا يحق لغيرها، نظرًا لما يكنُّه زيوس لها من محبة.

قالت هيرا: "اسمح لي ولمجمع الآلهة أن نسجل حيرتنا ودهشتنا لما يعتريك من حيرة وغضب على حال كوكب الأرض، خاصة وأنه يتبع لسلطة شقيقك هادس، إله الجحيم. ثم كيف تريدنا أن نعامل كوكب الجحيم إلا بالجحيم؟!"

ردَّ زيوس قائلاً: "ما هذا الردُّ الأخرق، أيتها الإلهة الجليلة؟! إن فكرة الجحيم قد أطلقناها من أجل أولئك الجاهلين كي نرهبهم من العقاب ونرغبهم في الثواب... أما أنتم، كآلهة، فعليكم أن تنظروا إلى كوكب الأرض، بين الكواكب قاطبة، ككوكب المعرفة، فيه تتعلم الأرواح ما لم تستطع تعلُّمه في السماء. إنها تتعلم جرأة ارتياد ذاتها عبر حريتها عن طريق معرفة الخير والشر وممارسة المحبة والفضيلة."

وأضاف زيوس قائلاً: "إن إسار السبب والنتيجة هو الذي يقود الأرواح مشروطةً باسم قانون كارما، يقودها كي تكفِّر عن أخطائها عبر الألم؛ ثم تستخدم الألم كي تدرك مكامن ضعفها وعجزها. عندئذٍ تستطيع الاستدلال على طريق الكمال."

ثم نظر زيوس إلى شقيقه بوسيدون، سيد بحار الحكمة، سائلاً: "ألم تعلِّم حكماءك هذه القوانين؟"

قال بوسيدون: "إن مثل الحكيم كمثل أيِّ إنسان... إنه يرتاد ذاته كي يرتقي بها. صحيح أن معارفه وفضائله أسمى من الإنسان العادي، لكنما يبقى عليه أن يكتشف حكمته في الظروف الأكثر تعقيدًا." وأضاف بوسيدون قائلاً: "لقد أبدى رجال الحكمة قدرتهم في أكثر الظروف ملائمة لإثبات حكمتهم. واليوم أذنتُ لهم أن يختبروا مقدرتهم في أسوأ الظروف، خاصةً وأن الخلل الأخلاقي ينخر جسم العالم. فالقتلة واللصوص في سدة الحكم، وأهل الدعارة والفسق في سدة العلوم والفنون، وسوق الحكمة أبخس من سوق التبن، وسوق الفجور والجهل والضياع يسيطر على جلِّ مباهج الحياة. لقد أذنتُ، يا مولاي، أن يكتشف الحكيم نفسه في ظل هذه الظروف."

قاطع العملاق أطلس كلام بوسيدون قائلاً: "لكنك علَّمتَنا أن الحياة أغلى من الحكمة!"

أجاب بوسيدون: "للأسف تبقى للحياة أطوار جنون! ألم يقتل هرقل أولاده في طور جنون؟! ألم يغتصب كرونوس، إله الزمن، ملكَ أبيه أورانوس، إله السماء؟!"

ثم أضاف بوسيدون قائلاً: "إن الشرَّ هو محرِّض الخير؛ ولولا الطاقة السالبة لتعطَّلت الطاقة الموجبة عن العمل. وهكذا تسير الحياة قدمًا, تارةً تحكم القوة الموجبة، وطورًا تحكم القوة السالبة."

تدخل هرمس في النقاش وقال: "هذه هي مشكلتي في هذا العصر. لقد استترتْ القوةُ الخيِّرة العادلة، ولاذت بالصمت، وفقدت فاعليَّتها. لهذا آثرتُ أن أمنح القوة السالبة الرعاية كي تزيد من غيِّها وغطرستها ولتتغذى بها بذرة الدمار الذاتي. هنا ستتدخل قوانين الحياة لتحرِّض الطاقة الموجبة قسرًا كي تعيد الاتزان إلى الحياة." وأضاف هرمس: "عندما تتحرض الطاقة الموجبة قسرًا تلتقي العوالم بعضها ببعض!"

وجد أبولون، إله الأنوار الروحية، الفرصة سانحة له للدفاع عن نفسه فقال: "في زمن الطاقة السالبة كان عليَّ أن أترك الأديان المخادعة تتكاثر عبر تناسخ ذاتها تناسخًا سرطانيًّا كي تتغذى في ذاتها بذرةُ الدمار؛ وكان عليَّ أن أترك الإنسان يختار بمقتضى ما يحوي في نفسه من نور باطني؛ وكان على الإنسان أن يدفع ثمن خياره. فما الحروب والأحقاد إلا تجلٍّ لخيارات الإنسان الشقية."

فقالت أثينا: "وهذا ما وجدتُ عليه العالم! فمن أنصُر، ومع من أتعاطف، والكلُّ باطل؟! لهذا آثرت أن يصدأ سيفي ودرعي على أن ألوثهما في شرور هذا العالم."

ضحك آريس، إله الحرب، إذ وجد أن جميع مبرِّراته قد سبقته إلى الإفصاح عن ذاتها، فقال: "لقد ولدت وغريزة لعق الدم في شفتيَّ، فما ذنبي؟ على من أشفق؟ مع من أتعاطف، ولا يوجد في العالم سوى قتلى تقتل ذواتها, سمك كبير يبتلع الأصغر منه؟ فذاك باطل وذاك فاسد."

تدخَّل بوسيدون قائلاً: "لكن رجال حكمتي لا زالوا على الأرض!"

أجاب آريس: "أعلم ذلك. وأنا أحبهم وأحترمهم مثلك. إن رجل الحكمة يحتاج إلى الحرب كما يحتاج إلى السلم. فالحرب تكشف عن مثالب نفس الحكيم؛ والحكيم الحقُّ يخوض الحرب غير عابئ بالنتائج، بل بالكيفية التي يخوض بها الحرب. رجل الحكمة يدرك أن الحياة لا تخلو من الكفاح والمجاهدة. رجل الحكمة يدرك أن الحياة ذاتها هي الحرب؛ فإذا فرَّ من معركة وقع في معارك أشد ضراوة. رجل الحكمة يخوض الحرب محترمًا خصومه احترامه لذاته لأنه يعلم أن قوانين الحياة تقتات بذاتها، ويعرف أن البقاء دائمًا للأصلح. رجل الحكمة لا يحب الحرب ولا يختلقها، لكنه لا يخاف خوضها ونتائجها. رجل الحكمة لا يخاف الموت لأنه يعرف كيف يقضي حياته، ولأن الموت خاتمة كلِّ تجربة. رجل المعرفة يكتشف الزيف الذي تُظهِره له زوجتي ومعشوقتي أفروديتي، إلهة العشق والجمال."

هنا وجدت أفروديتي الفرصة سانحة لها للدفاع عن نفسها فقالت: "إن العالم محكوم بقانوني الوحدة والكثرة كي يتجلَّى فيه غنى الوحدة. والكثرة لا تأتي إلا عبر هيرا، إلهة الأنا والمُلك والتميُّز. والتميُّز يمرُّ عبر مرحلتين: البناء والهدم، اللذين لا يأتيان إلا عبر الإبداع، ووهم التكوين، والفكر والشكل. أنا الذي أعطي العالم الفكرة والصورة، وأبث في القلب عواطف الحب والهيام، فينطلق الإنسان كي يجسِّد الصورة والفكر عبر الأنا ووهم التكوين. الحكيم هو من يدرك حقيقة هذه اللعبة، فيمر من خلالي مرور الواعي المختبر، بينما الإنسان الأحمق يقع في فخ العهر والدعارة. لهذا أمست السياسة دعارة، والأديان عهرًا، والإنسان مسخًا. وهذا هو تجلٍّ لخيارات هذا العالم."

***

 بدء الشرخ
 

سمع العملاق أطلس كلمات أفروديتي، فضرب كفًّا بكفٍّ وصاح: "يا ويلي! أأكلِّف نفسي طائلة كلِّ هذا العناء حتى أحمل العالم على كاهلي، لأكتشف بعدئذٍٍ أن العالم ما هو إلا قمامة فاسدة!" ثم اتَّجه إلى زيوس قائلاً: "حتَّام أظل ذاك الأحمق الذي علَّق على كاهله قمامة قاتلة؟!"

نهض بروميثيوس، ومسح العرق المتصبِّب من عضلات أخيه أطلس، ومسح جبينه بحنان وهو يقول: "هوِّن عليك، يا أخي! فلا أحد يستطيع أن يحرِّرنا من هذا القَدَر الغاشم."

غضب زيوس، فانتفر وزمجر كالرعد: "أين أولادي؟ أين مخلِّصو هذا العالم؟ أين هرقل؟ أين برسيوس؟ أين ثيسيوس؟ أين أبطال الحكمة؟"

كانت ديمترا، إلهة الخصب والفطرة، ترقب هذا الرعد الصاخب التائه. فقالت لزيوس: "أنت تذوق الآن ما أذقتَه لي عندما تآمرت عليَّ وعلى ابنتنا برسفوني، فزوَّجتَها إلى هادس، إله الجحيم ذي الوجه الكالح. والآن أذِنَ القدرُ أن تذوق من المرارة عينها التي أذقتنيها!"

نظر زيوس إلى ديمترا والدموع تنهمر من عينيه قائلاً: "أما غفرتِ فعلتي، إذ أردتُ ألا يُحرَم العالمُ السفلي من الخصب والفطرة والذكاء؛ فما كان منِّي إلا أن خطفت ابنتي وزوَّجتُها عنوةً، عني وعنكِ، كي لا يُحرَم العالمُ السفلي من الإبداع والإنبات. ألا تعلمين، أيتها المخلصة الغالية، أنه في العالم السفلي تجري مياه نهر ستيكس المقدس الذي يحتوى أسرار الآلهة جميعًا؟ ألم تشهدي بطولة هرقل وأوروفيوس وطيبتهما في ذلك العالم؟"

أمسك زيوس كتفي ديمترا وقال: "آن لقلبكِ أن يلين ويصفح عني."

ردَّت ديمترا قائلة: "لكنك دمرتَ كوكب الأرض عشرات المرات، بل مئات المرات... وفي كلِّ مرة كنتَ تقول لي: "لقد طويتُ الأرض كي أعيد نشأتها، كي يولد الإنسانُ المتفوق... كي يولد بطلُ الحياة... كي يولد بطلُ التكوين..." والآن أشهدُ حيرتك وضياعك للمرة الألف... وأعلم أنك ستدمِّر كوكب الأرض آلاف المرات، ولن يولد الإنسان المتفوق، وسيبقى هادس، إله الجحيم، يترع كؤوس اللذة المعتصَرة من آلام البشر!"

كان هادس، إله الجحيم، يرقب ببصيرته، وهو في مملكته، ما كان يجري في مجمع آلهة الأولمب. فلم يستطع أن يلزم الصمت أمام التُّهم التي كانت تكال إليه. فحضر إلى المجمع في لمح البصر. حيَّا هادس الآلهة جميعًا، ثم اتجه بتحيَّته إلى ديمترا قائلاً: "السلام عليكِ، أيتها الأم المكافحة... لكم يحزنُني أن القدر وضعنا في هذا الموقف المؤلم."

ثم أضاف قائلاً: "لقد علَّمتْنا الحكمةُ أن لكلِّ كائن حي مخلَّفات. فالكون كائنٌ حيٌّ. ولكي يحيا، لا بدَّ له من إنتاج مخلفات. وهذه المخلفات هو العالم السفلي الذي ولاني القدرُ مهامَه. لكن اعلمي، أيتها الإلهة الجليلة، أن مخلفات الكائنات الحية لا تقتل الخصب والإبداع، بل تتحول، عبر البكتيريا، إلى سماد يعطي النبات قوَّة أكبر للخصب والتجدد. وهذه أيضًا هي حال الكائنات العاقلة. إنها ترتاد عالمي كي تعود وتولد من جديد، فتُغْني الكون إبداعًا وتجددًا."

قاطعت ديمترا هادس قائلة: "قد مللتُ هذا التنظير والتفلسف اللذين لا ينجبان سوى الملل ومضيعة الوقت." ثم أضافت قائلة: "هل حيرة حكماء بوسيدون الأخصياء وضياعهم تسميهما خصبًا وإبداعًا؟! إنك، أيها الإله، لم تزد في الكون سوى الفسق والمجون والمزيد من الدمار والضياع." ثم أضافت ناصحة: "تأمَّلْ، أيها الإله، لمن أعطيتَ الملك والسلطان في الأرض؟ هل لأولئك الذين يدَّعون أنهم شعب الله المختار بحجة أنهم يستطيعون إنجاب الكائن المتفوق أو المخلِّص؟"

أجاب هادس: "السلطان في مملكتي لرجال القوَّة، وليس لرجال الحق!" ثم أضاف قائلاً: "من يمتلك قوة الفكر يمتلك قوة الاقتصاد والسياسة والآلة العسكرية. لهذا كان عليَّ أن أمنحهم الملك والسلطان. أما رجال الحق فهم مكتفون بمعارفهم الروحية، ويعزفون عن الملك والسلطان، وينتظرون مخلِّصًا قادمًا على جناحي حمامة، كما يحلم الحمار بقدوم الحشيش فوق صفحات الهواء!" وأكد هادس قائلاً: "الإنسان المتفوق لا يمكن أن يأتي من الأوكار والجحور أو السفوح والأدغال... الإنسان المتفوق يأتي من الحياة، وعبر الحياة!"

سألت ديمترا ساخرة: "هل سيأتي متغذيًا من اقتصاد مسلوب، وعلوم فاجرة، وهواء فاسد، وحكمة مزيفة؟ هل ستستطيع عيناه تحمُّل فسق فنون هذا العالم ومجونه؟ هل سيتحمل قلبه عهر انحطاط العالم؟"

أجاب هادس: "الإنسان المتفوق لا يولد من الهواء. إنه كالحبة التي تُطمَر في ظلمة أديم الأرض، في برودة شتاء قارس. إن البرودة والظلمة، أيتها الإلهة الجليلة، هما محرضا الوجود على الاستمرار."

قالت ديمترا حانقة: "من تُراه يدافع عن زيوس إلا إله الجحيم والظلام!"

سمع زيوس كلمات ديمترا الجارحة، لكن لم يكن بمستطاعه أن يغضب منها، خاصة وأنه كان السبب المباشر في عذاباتها. أما ديمترا فقد كانت تعلم ما يمكن أن يجرَّه عليها غضب زيوس؛ لكن الأم المجروحة تستطيع أن تذهب بجراحها حتى دمار العالم. فقالت، والمكر والدهاء يكتنفها: "يا سيد الآلهة وسيد العوالم، يا من فاقت قدرتك قدرة جميع الآلهة... إنك قد جهلتَ سرَّين: السرُّ الأول هو السر الذي علمه بروميثيوس دون جميع الآلهة، وهو سرُّ قدوم من هو أعظم منك، فأذقتَه عذاب الجحيمين، إلى أن انتزعتَه منه انتزاعًا. أما السرُّ الآخر فهو سرُّ فساد العالم وهو معي. كن مطمئنًّا لأني سأفشيه لك بالمجان! ولا داعي لاستخدام همجيتك معي!"

أجاب زيوس برفق وحنان: "كنت أعلم، أيتها الإلهة الطيبة، أن من يمنح العالمَ الخصبَ والحياة يعرف أسرار الحفاظ عليه، ويعرف كيف يحمي إنباته وإبداعه." وأضاف زيوس قائلاً: "إن أحزانك، أيتها الحبيبة، قد أدمتْ قلبي ولم أشأ أن أثقل كاهلك بالبحث في خفايا نفسك عن أسرار النشوء والفساد، والبناء والهدم. ولكم يسرني كرمك إذ قررتِ أن تمنحيني ما كنتُ أتمناه، دون أن أطلبه منك."

قالت ديمترا: "إذًا اقسم لي، أمام جميع الآلهة، بمياه نهر ستيكس المقدس قسمًا لا يمكنك أن تحنث به، أن تسمع السرَّ وتقبل نصيحتي."

وقف زيوس على قدميه ورفع يده وقال بصوت الواثق: "أقسم!"

اضطربت الآلهة لضعف زيوس وخضوعه أمام ديمترا. وهنا وجدت ديمترا الفرصة سانحة لها كي تفضي بما يجول في قلبها من حرقة ولوعة، فقالت مخاطبة الآلهة:

"كثيرًا ما بحثتم وفتشتم، أيها الآلهة الأجلاء، في خبايا الغيب وأسرار التكوين عن سرِّ فساد أخلاق البشر، لكنكم فشلتم جميعًا. وها أنا ذا أفشي لكم سرَّ أسرار الوجود، فأروني ماذا أنتم فاعلون." ثم أضافت ديمترا قائلة: "إن سرَّ تخلف أخلاق البشرية وانحطاطها هي دكتاتورية حكامها. هذه الدكتاتورية مستقاة من دكتاتورية السماء، أي من دكتاتورية زيوس، مرسل الصواعق! ولن تنصلح حال البشر ما لم تنصلح دكتاتورية زيوس." ثم توجَّهت ديمترا بخطابها إلى زيوس قائلة: "يا سيد الآلهة جميعًا! لقد كنتَ تجد لنفسك كافة المبررات لقسوتك وجبروتك، فقهرتَ كلَّ من سبقك ولحق بك. وقد جرَّ جبروتُك وطغيانك على البشر مرض الدكتاتورية. ولن يستطيع أحد أن يعالج هذا الوباء سواك أنت." ثم استدركت ديمترا قائلة: "لكن أنَّى لك، وأنت في سطوة جبروتك وسلطانك، أن تدرك سرَّ مرضك ومرض العالم؟ لهذا ألزمك بعهد قسمك أن تقبل خضوعك للمحاكمة، هنا... في مجمع الآلهة!"

تردَّدت همهمات الآلهة لجرأة ديمترا. فكيف لهذا الإله الغاشم أن يقبل هذا الموقف، وإن أقسم؟!

لكن زيوس أجاب بكل هدوء: "لقد أقسمتُ بمياه نهر ستيكس المقدسة أن أقبل. وها أ نا ذا أبرُّ بقسمي!"

ارتعدت قلوب الآلهة جميعًا لهذا الموقف. فإذا قبل زيوس بمحاكمته فإن كلَّ واحد منهم صار تحت طائلة المحاكمة‍‍!

لكن زيوس استدرك قائلاً: "كيف لمثلي أن يفشي أسرار الكون دفاعًا عن نفسه؟ كيف للعقول الجزئية أن تدرك أسرار العقول الكلِّية؟ لهذا سأقبل الاستماع إلى ادِّعائكم. وليقدِّم بوسيدون دفوعه عني."

***

 

محاكمة زيوس
 

توجَّه زيوس إلى بوسيدون قائلاً: "أيْ أخي وصديقي، يا سيد بحار الحكمة التي لا يُسبَر لها غور، يا من قالت عنك الأساطير إنك اختطفت زوجتك وتزوجتها عنوةً – أي أنك تستمد طاقة حكمتك ذاتيًّا – يا سيد بحار الحكمة، حامل الحربة ذات الثلاث شُعَب، أيها الإله الذي يرصِّع مجدَه عرَّافاه تيروس وبروتيوس، كاشفا مكنون الغيب، إليك أتجه بنيابتي، كي تقدِّم الدفوع عني."

أجاب بوسيدون: "أعلم، يا سيد الآلهة، مدى الضيق والحرج الذي أوقعتْك فيه ديمترا. فالدفاع عنك يستلزم كشف أسرار التكوين التي تعجز عقول الآلهة جميعًا عن طاقتها. وسأحاول، بكلِّ ما أوتيت من قوة، أن أفسر الحكمة حتى الحدِّ المسموح به، لعليَّ أوفَّق في الدفاع عنك."

ثم توجَّه بوسيدون بخطابه إلى لآلهة قائلاً: "اعلموا، أيها الآلهة الأجلاء، أنكم لو اطَّلعتم على الغيب لما اخترتم غير الواقع." ثم أضاف قائلاً: "إن الواقع، مهما بدا مؤلمًا وحرجًا، لكنه يخفي ورائه واجبات وإشراطات واجبة الحدوث. فاحرصوا في دعاواكم على عدم هتك أسرار التكوين؛ إذ إن بعض أحاديث كشف الأسرار يستلزم قتل رُواتها."

جلس بوسيدون إلى جانب زيوس، وأشار بيده حتى تبدأ الآلهة ادعائها.

تقدم أطلس، حامل الكون على كاهله، وقال: "أنا لا أتَّهم زيوس بشيء، لكني أريد معرفة الجرم الذي ارتكبتُه حتى سُجِنْتُ إلى الأبد حاملاً هذا الكون الرهيب على كاهلي." ثم أضاف أطلس: "لقد طُلِبَ مني أن أحرس شجرة التفاح الذهبية المقدسة، فكنت أحرص عليها حرصي على مقلتي؛ لذا أقمت حولها أسوارًا عاليةً، ووضعت على بابها تنينًا ينفث اللهب، وحرَّمت على أحدٍ الاقتراب منها. لكن العرافة حذَّرتْني من أن أحد أبناء زيوس سيأتي ليسرق من الشجرة. وبالفعل جاءني برسيوس وطلب مني أن أسمح له بالمبيت عندي. لكني خفت من نبوءة العرَّافة، فحاولت طرده، حرصًا مني على أمانة حماية الشجرة. لكن برسيوس غضب ولم يستطع تقدير مهمة حمل الأمانة وصعوبتها، فكشف لي عن رأس ميدوسا الخبيث الذي تكلِّله الأفاعي، فأحالني إلى طودٍ شامخ يصل السماء، واستحال شعري إلى غابات، وهوى ثقل الكون على كاهلي. وأنا، منذ ذاك الوقت، تئنُّ عضلاتي تحت وطأة هذا الحمل الرهيب، وتعصف تيارات الإجهاد في كياني." ثم اتَّجه أطلس إلى الآلهة سائلاً: "بالله عليكم! قولوا لي أين تكمن جريمتي عندما حافظت على أمانتي؟"

حزنت الآلهة لحال أطلس البائس وعذاباته الأبدية. لكن بوسيدون وقف واتجه نحوه قائلاً: "المجد لك، أيها العظيم بين الآلهة. لم يتحول شعرك إلى غابات، بل تحولت قدماك إلى هذه الأكوان اللامتناهية. إنك، أيها الكادح، كارما الوجود، إسار السبب والنتيجة، الذي يصنع عدالة التكوين. وما شجرة التفاح الذهبية سوى ثمار تجلِّي الصفات الإلهية في الكائنات الراقية." وأضاف بوسيدون: "أما رأس ميدوسا الذي أحالك طودًا فهو الجدُّ والكفاح المطلوب للحصول على ثمار تجلِّي الألوهة عبر مواجهة آلام ومحن الطاقة السالبة، التي هي، بدورها، علَّة انفلاش الأكوان. أما وسيلة الحصول على التفاح الذهبي فهي حمل الأمانة ومواجهة الطاقة السالبة."

ثم توجه بوسيدون إلى الآلهة مخاطبًا: "لقد جاء هرقل ذات يوم وطلب من أطلس أن يعطيه ثلاث تفاحات ذهبية من تلك الشجرة. فوافقه أطلس، شريطة أن يحمل الكون عنه ريثما يتسنى له الذهاب لإحضار التفاح. وهكذا هوى حِمْلُ الكون الرهيب على كاهل هرقل، وأنَّتْ عضلاتُه وانتفخت، وراح العرق يتصبَّب منها. راحت الأفكارُ تدور في مخيلة هرقل: "مسكين يا أطلس... كم تعاني في حمل هذا الكون! مسكين يا أطلس... لم يختبر أحدٌ معنى الألم على أشُدِّه سواك..." ثم خطرت على بال هرقل فكرةٌ مفزعة هي: "ماذا لو هرب أطلس وترك له هذا الحمل الرهيب على كاهله؟!" وانتهت حيرة هرقل، وعاد أطلس، فتحرَّر هرقل من آلامه وفاز بالتفاحات الذهبية. وهذا يعني أن الإنسان لن يستطيع الحصول على ثمار تجلِّي الألوهة فيه ما لم يحمل الأمانة ويتحمَّل هموم وصعاب التكوين."

قال أطلس: "فلسفة الألم رائعة، لكن اختباره شيءٌ آخر!"

أجابه بوسيدون: "الألم واللذة وجهان لعملة واحدة. لا مفرَّ لنا من مواجهة الألم. إنه بوابة عبور الوعي إلى الأكوان اللامتناهية."

خاف بروميثيوس من أن يهزم ادِّعاء أطلس، فوقف وقال لبوسيدون: "ما أعظم دفوعك، أيها الإله الحكيم! ربما استطعتَ، بما أوتيت من حكمة، أن تجد مبرِّرات القسوة التي يتعرض لها أخي أطلس. فهل تستطيع أن تجد المبررات لقسوة زيوس عليَّ؟" ثم توجَّه بروميثيوس إلى الآلهة مخاطبًا: "لقد علَّمتْنا الحكمةُ أن نحبَّ الإنسان وأن نفتديه بأموالنا وأرواحنا. ولقد ساءتني حالُ يأسه وتيهه وضياعه، ولم تردعني قوة محبتي له من مغبَّة سرقة النار والعلوم المقدسة من أجله. لكن القدر كافأني بسمٍّ قاتل، وهو معرفتي أكْناهِ الغيب." صمت بروميثيوس برهة، ثم تابع ساخرًا: "أولئك الحمقى يتسابقون لمعرفة علم الغيب، دون أن يدروا أية عاقبة سيحملون!"

ثم تابع قائلاً: "لقد علمتُ سرَّ قدوم من هو أعظم من زيوس فكتمتُ السرَّ. إلا أن زيوس قرَّر انتزاعه مني عنوةً. وعندما رفضتُ ساقني جبَّارا زيوس إلى ذاك المكان القصي من العالم الذي لم تطأه قدم إنسان؛ وكان برفقتهما صديقي وحبيبي هيفستوس، إله العلم والممكنات، الذي أوكِلَتْ إليه مهمة تصفيدي إلى صخرة كبيرة، ثم غَرْس الحربة في صدري. لقد كنت أراه محزونًا، منكس الفؤاد، يمسك مطرقته الثقيلة ويجرجر خطاه بمرارة. وكنت أدرك أساه وحزنه العميقين، لكنه لم يكن بمستطاعه معصية إرادة أبيه زيوس، ذاك الإله الغاشم." صمت بروميثيوس ثم أضاف: "عندما وصلنا إلى تلك الصخرة قام هيفستوس، وبدأ بتكبيلي، بينما كانت الدموع تنهمر من عينيه. فصاح به الجبروت: "اضرب بمطرقتك الأصفاد جيدًا بكلِّ ما أوتيت من قوة! فبروميثيوس حاذق ماهر، وبمقدوره أن يجد لنفسه مخرجًا، حتى عندما تنغلق دونه السبل. شُدَّه بكلِّ قوَّة ومهارة، وليتعلَّم بعد اليوم كيف يكون خداع الآلهة!""

صمت بروميثيوس، ثم أضاف: "كنت أرقب وجه هيفستوس وهو يطرق الأصفاد، وشعرت وكأنه يطرقها في قلبه، فقلت له: "هوِّن عليك، أيها الحبيب! علينا أن نتحمل تبعات خياراتنا." وعندما أنهى هيفستوس عملية تكبيلي أمسك الحربة بيديه ورفعها كي يغرسها في صدري، فراحت يداه ترتجفان، وراح عزمه ينهار، فصاح به الجبروت: "لا تتلكأ ولا تحزن عليه كي لا يستعديك أبوك." وانهار هيفستوس بثقله على صدري، وراح يجهش بالبكاء. فاخترقتْ الحربةُ صدري، وبدأت رحلتي مع الألم. أمسك جبَّارا زيوس هيفستوس من ساعديه بكلِّ قوَّة، وصاح بي الجبروت: "يمكنك هنا أن تعتدَّ بنفسك ما شئت! فكن عاتيًا متغطرسًا، واسرق خيرات الآلهة وقدِّمْها للبشر، ودعنا نرى هل يمكنهم الآن مساعدتك؟" ثم شدَّ الجباران هيفستوس من ذراعيه، وتركني ثلاثتهم وحدي في قفارٍ موحشة، أكابد آلامي وحسراتي. لقد حزنتْ وبَكَتْ جميع المخلوقات الأثيرية، وكانت تنصح لي بأن لا مخرج لي من هذه الآلام إلا بإفشاء السرِّ لذاك الطاغية. وكنت أجيبها: "إني أكره جميع الآلهة، ولن أستبدل بآلامي المبرحة عبوديتي. وأنا أفضل أن أظل مغلولاً هنا إلى الصخور على أن أكون خادمًا طيِّعًا لزيوس.""

وتوجَّه بروميثيوس إلى الآلهة سائلاً: أي إثمٍ اقترفتُ، وأي جرمٍ ارتكبتُ، عندما ساعدت البشر، فسرقت لهم النار من قرن هيفستوس، إله العلم والممكنات، وعلَّمتهم القراءة والحساب والفنون، وأهديتهم علم المعادن والزراعة والصناعة وترويض الحيوان." ثم أضاف قائلاً: "كل ما علَّمتُهم إيَّاه كان من شأنه تخفيف آلامهم وشقائهم وزيادة فرحهم وسعادتهم. لهذا ثارت حفيظة زيوس عليَّ فأنزل بي العذاب."

وصمت بروميثيوس ثم قال: "لقد منحتْني طيبتي مقدرة كشف مكنون الغيب، وعلمت ذاك السرَّ الذي كان سبب شقائي ومعاناتي. ورفضتُ كشفَ السرِّ، مهما جرَّ عليَّ من عذاب ومِحَن. لكنني، بينما كنت أعاني ما أعانيه في تلك البلاد القصية، جاءتني إيو، جدة هرقل، وقد تضرَّج جسمُها بالدم إثر لدغات آفة لعينة سلَّطتها عليها هيرا، إلهة الأنا والتميُّز. وقد طلبتْ مني أن أكشف لها حُجُبَ الغيب وأنبئَها متى وأين ستنتهي عذاباتها. فأجبتها: "ألاَّ تعرفين الغيب أفضل لكِ من أن تعرفيه، لأنك، أيتها المسكينة، ستطوفين العالم برمَّته، ويغطي دمُك سطح الأرض، ويشهد العالمُ آلامك وأسقامك، قبل أن تصلي إلى شاطئ نهر النيل الذي سيشهد انتهاء آلامك، وستلدين طفلاً يأتي من نسله مَن يُخلِّصني." عندئذٍ سمعتُها تصرخ: "يا ويلي مما سألاقيه من مِحَن! سأجن... أجل سأجن قبل أن أحصل على الخلاص." ثم ذهبت كالعاصفة وهي تصيح وتصرخ." وأضاف بروميثيوس قائلاً: "كنت أعلم أن مصير زيوس إلى زوال في يوم من الأيام. لهذا كنت مستعدًا لتحمل الآلام. ونفد مخزون صبر زيوس، فضرب الصخرة بصاعقة أطاحتنا إلى عالم مظلم، ومكثنا هناك دهورًا وقرونًا. ثم رفعنا من جديد، وقد سلَّط عليَّ نسرًا كان يأكل كبدي كلَّ يوم، وكان كبدي ينبت من جديد."

غصَّ بروميثيوس بمرارة ثم تابع قائلاً: "وفي مصر انتهت عذابات إيو، ووضعت حِمْلها الذي جاء من نسله البطل هرقل، وجاء ليحرِّرني، فقتل النسر بسهامه، وحطَّم الأصفاد بهراوته، وافتداني القنطور الحكيم خيرون بذهابه للعالم السفلي بدلاً عني، وأُرغِمْتُ على إفشاء السرِّ لأبيه."

تقدَّم بوسيدون من بروميثيوس قائلاً: "فلتتقدس روحك، أيها المكافح الجبار، الذي يفتدي العالم بنفسه. المجد لك ولكلِّ الآلهة الأجلاء الذين يطوفون الأكوان مشاركين أحياءها آلامهم ونوائبهم. إنك تعلم، أيها العظيم، أنه عبر كارما والآلام وتحمُّل الصعاب يتطور الوعي في الإنسان. لكنك، إذا أردت أن تحرق له بعض المراحل، لتسرِّع في تطوُّره، فلا مفرَّ لك من أن تدفع عنه الألم بنفسك. لهذا واجهتَ ما واجهتَ، وعانيتَ ما عانيتَ، وأصبحت تجليًّا حقيقيًّا لصفة إلهية في الطيبة والمحبة، ورمزًا مقدسًا لمخلِّصي العالم." وأضاف بوسيدون قائلاً: "لقد مكَّنتْك طيبتُك وأعمالُك الجليلة من أن تطَّلع على أكناه الغيب، وغاب عن بالك أن المعرفة شيء والسيطرة على العالم شيء آخر! وغاب عن بالك شيء آخر هو أن كلَّ شيء يخضع لقانون صراع البقاء، حتى التجلِّيات الإلهية. لهذا كان على زيوس – من منطلق الصراع من أجل البقاء – أن يستخدم كلَّ ما لديه من قوة ووسيلة حتى يستخلص منك السر. وبالتالي فقد دفعتَ قيمة الآلام التي جنَّبتَها للبشر. وهذا هو قانون العدالة الكارمية، وإلا فسد الكون." ثم أضاف بوسيدون قائلاً: "لقد كان الصراع بينكما صراع قوتين: قوة الحكم والسيطرة، وقوة الطيبة والمحبة. وصدِّقني، أيها الإله الحكيم، أنك لو كنت مكان زيوس لفعلت به ما فعل هو بك."

كان بروميثيوس يصغي بصمت لدفوع بوسيدون وهو يتساءل إن كان منطلق دفوعاته حماية زيوس أم كشف الحقيقة! لكن بوسيدون أضاف قائلاً: "أنظر إلى إيو، جدة هرقل، كيف هامتْ في الأرض وعانت ما عانت، حتى أهدت العالم ذلك الإنسان الإلهي."

وضع بوسيدون يده على كتف بروميثيوس وقال: "إن العالم محكوم بإسار السبب والنتيجة. فمن أراد أن ينير العالم بقوة عليه، في المقابل، أن يبتلع ظلمته." وأضاف بوسيدون: "إن خيرون لم يفتديك بدخوله العالم السفلي بدلاً عنك، بل إنه أصبح الصورة الإلهية البشرية عنك. إنه المعلِّم ومعبر الأرواح الساعية إلى الكمال."

ثم توجَّه بوسيدون إلى لآلهة مخاطبًا: "إذا لم يتطور مستوى فهمنا للحقيقة وللعالم فسيظل الجهل يحيق بنا، وسنبقى تائهين في حقل الموقف وتيه حروف الكلمة."

قال بروميثيوس: "كم أنا بحاجة للتسليم لدفوعك، أيها الحكيم الجليل. لكني مازلت مؤمنًا أن الصفات والنسب الإلهية تختلف من طور إلى آخر. وتتغير الصفات الحاكمة بمقتضى تغيُّر جملة الصفات المحكومة. وبما أن الصفة الحاكمة مستفيدة دومًا من جمود الصفات المحكومة، مهما اعتراها من ضعفٍ وخللٍ، آثرت أن أغيِّر الصفات المحكومة كي أجبر الصفة الحاكمة على التغيُّر. وهكذا حاولت إبدال الجهل معرفة، والعمى نورًا، والشقاء سعادة، بغية تغيير الصفة الحاكمة التي يمثلها زيوس. ولو قُدِّر لي النجاح لتحوَّل العالم إلى جنة!"

أجاب بوسيدون: "الحكيم الحقُّ يرتاد العالم لهذا القصد النبيل. الشرور والطاقة السالبة كبيرة، لذا تحتاج الحكماء إلى العودة إلى العالم مرات عديدة، تعاني ما تعانيه، وتكابد ما تكابده, كي تتمكن من تطهير العالم وإعادته إلى عصره الذهبي."

وتوجَّه بوسيدون بخطابه للآلهة جميعًا: "إن عصرنا الحالي هو العصر الحديدي، عصر كالي، أو عصر الظلمة والجهل؛ وهو عصر خصب للكائنات الراقية السامية لتحدِّي الصعاب وصنع المستحيل، لنقل العالم من حضيضه إلى أوجه. فالحكيم الحقُّ يعرف أن عليه مكابدة الآلام عصورًا ودهورًا لأن لعبة وهم الوجود قائمة على الجسارة والتحدي."

وأكد بوسيدون قائلاً: "إن صراع البقاء لا يخضع له الإنسان فحسب، بل الصفات الإلهية أيضًا. لقد صارع زيوس مستخدمًا جلَّ قواه وأساليبه للحفاظ على بقائه، لكن العالم يسير إلى تغيُّر وتبدُّل. فغدًا، عندما يستلم أحدكم حكم الكون بدلاً عنه، سيتطور الكون في أحد الأطوار؛ لكن الكون سيُدفَع إلى التطور أبعد من قدرة تطور القوة الحاكمة. وهكذا ستعود القوة الحاكمة إلى صراع البقاء، وربما صارت أقسى من زيوس. لذا تقول الحكمة: ويلٌ لمن تزلُّ به قدم!

فالقوة الحاكمة سيئة الطالع، سواء أكانت سماوية أو أرضية."

قال بروميثيوس: "سمعنا، أيها الإله الحكيم، أن هيا، ربة الممكنات، قد أبدعت من دم أورانوس، إله السماء، عمالقة مروِّعين، لهم أقدام من أفاعٍ، منحتْهم ترياقًا كي يكونوا منيعين دون جميع أسلحة الآلهة؛ لكنها فشلت في منحهم ترياقًا يمنَّعهم دون أسلحة هرقل.

وعندما جاء العمالقة لانتزاع ملك الآلهة فشلت جميع الأسلحة في الدفاع عن الأولمب. هنا أرسل زيوس في طلب مساعدة هرقل، فجاء وقتل العمالقة وحمى ملك الآلهة."

وسأل بروميثيوس قائلاً: "قل لي، أيها الحكيم الجليل، كيف تبسطون سلطانكم على العوالم في وقت تعجزون فيه عن حماية أنفسكم؟"

ابتسم بوسيدون وقال: "إن القدرات في عالم الإطلاق متساوية، لكن تغلب الصفات الإلهية. وظهور صفات جديدة يعتمد على الإنسان؛ إذ إن الإنسان هو بذرة التوازن الكوني. لهذا لا قيمة لأيِّ عمل إلهي، مهما كان، إذا لم تكن له جذور في الإنسان. لذا تأتي الآلهةُ إلى الأرض في صورة الحكماء، وتعمل على تغيير المعطيات الإنسانية، عبر تطوير وعي الإنسان، بغية تغيير الصفات الكونية." وأكد بوسيدون قائلاً: "لهذا فإننا نعتبر كوكب الأرض مركز الكون، وليس ذرة غبار في المحيط الكوني."

كانت إيو تستمع لدفاع بوسيدون باهتمام وإصغاء بالغين، وكانت تحاول كظم حقدها وغيظها على هيرا، إلهة المُلك وأنا التميُّز. لكن آلامها المبرحة لم تمنعها من مقاطعة بوسيدون والتدخل قائلة: "ما أعظم دفوعك، أيها الحكيم بوسيدون، وما أوسع بحار حكمتك! إن العقل ليعجز إلا عن التسليم لحكمتك ومواعظك. لكن لي سؤالاً أريد طرحه على هيرا، وأريدها أن تقدم لي تفسيرًا. ولا ضير عليها فيما إذا تنازلتْ وأجابتْ، خاصةً وأن زيوس قد رضي بمحاكمته!"

نظر بوسيدون إلى زيوس ليستطلعه الرأي، فهزَّ زيوس رأسه موافقًا، تعلو شفتيه ابتسامة وترتسم في عينيه نظرة وديعة.

***

 

محاكمة هيرا
أنا المُلك والتميُّز

 

كانت هيرا تجلس على عرشها الذهبي بجانب زوجها زيوس. فلما استمعتْ إلى إيو نظرتْ إلى زوجها نظرة استهجان. فأشار إليها أنْ ليس بإمكانها الرفض. عندئذٍ نزلت هيرا عن كرسي عرشها ووقفت أمام إيو.

قالت إيو لهيرا: "هل تسمحين، أيتها الإلهة الجليلة، أن تشرحي أمام مجمع الآلهة سبب قسوتك عليَّ؟ وأي جرمٍ أو إثمٍ ارتكبته بحقكِ دفعكِ لإرسال آفةٍ كبيرة مزقت لي جسمي وأرغمتْني أن أطوف العالم حتى أقاصيه، وأعبر بحاره وأنهاره هاربةً من آفتكِ اللعينة، حتى وصلتُ بلدانًا لم تطأها قدم إنسان، وقد نزف دمي وغطى تربة وصخور العالم، وامتزج بمياه بحاره وأنهاره فكدَّرَها؟ أيَّة قسوةٍ وأيُّ قلبٍ صخري تملكين؟!" وأضافت إيو قائلةً: "أنا لست ضحيتكِ الوحيدة؛ فكلُّ آلام الكون ومكائده لكِ نصيبٌ فيها. وأنا أتساءل: ما الفرق بينكِ وبين التنين تيفون أو أفعوان ليرني؟ لقد مارستِ قسوتكِ وجبروتكِ تحت أنظار زيوس عندما سلَّطتِ تنينكِ تيفون على والدة إله النور لاتونا، فراحت المسكينة تضرب الأرض وتجوز البحار هاربةً منه. ولم تعفي حتى الأطفال من شروركِ؛ فقد سلَّطتِ الوحوش والأفاعي عليهم وهم في المهد. ولم ينجُ حتى زيوس من شروركِ! فقد سلَّطتِ عليه إلهة النوم وإلهة الخداع، فكتبتِ على هرقل المكافح أشد أنواع العبودية والألم! وأنا أعجب لزيوس الذي علَّقكِ بين السماء والأرض، وربط بقدميكِ سندانًا ثقيلاً؛ أعجب له، لِمَ لَمْ يقتلكِ ويريح السماء والأرض من دسائسكِ ومكائدكِ ومصائبكِ!"

ابتسمت هيرا وقالت: "لقد نسيتِ، أيتها المباركة المجيدة، أن أمِّي، إلهة الممكنات، أنبتت لي شجرة التفاح الذهبية وقدَّمتْها لي هدية. ولا بدَّ لكِ أن تتساءلي، مادمت أملك كلَّ ما أملك، لِمَ أعادي كلَّ من يقاسمني ملكي لزيوس!"

هزَّتْ كلمات هيرا مجمع الآلهة فاضطرب. أما زيوس فقد قطَّب حاجبيه منذرًا بغضبٍ رهيب. لكن هيرا تابعت بصوتٍ عالٍ وثقةٍ كبيرة: "أجل أنا أملك كلَّ شيء... وأملككم أنتم أيضًا! أليست شجرة التفاح الذهبية ملكي؟ ألم يقل لكم الحكيم بوسيدون أن التفاحة الذهبية هي تجلِّي الصفة الإلهية في الكائن الواعي؟ هل يوجد تجلٍّ دون "أنا"؟" وأكَّدت هيرا بصوتٍ عالٍ: "إنني أنا "أنا التميُّز"، وجوهري هو جوهر جميع الآلهة. بدوني لا يوجد أول ولا آخر ولا ظاهر ولا باطن. ومن جوهري يأتي العالم إلى حيِّز الوجود."

قهقهت إيو بصوتٍ عالٍ وقالت: "أي عالمٍ سامٍ له جوهر هذه اللئيمة!"

اشتعلتْ نارُ الغضب في قلب هيرا، لكنها بذلتْ جهدها لكظم غيظها وقالت: "ليس الذنب ذنبكِ لتقولي ما قلتيه؛ لكنه ذنب العلم الذي يُستخدَم للقهر والغطرسة بدل استخدامه كأداة استقراء واستدلال لمعرفة الحقيقة."

وخاطبت هيرا الآلهة قائلة: "إن الكون محكوم فيزيائيًّا بمبدأين هما: التشريد الكهربائي والحركة. إن التشريد الكهربائي ناجم عن عدم التوازن بين الشوارد الموجبة والشوارد السالبة في المادة. هذا التشريد يخلق حقولاً كهرمغناطيسية. فإذا ما خضعتْ هذه الحقول للحركة ولَّدت حقولاً في المواد الأخرى تساويها مقدارًا وتعاكسها اتجاهًا. ثم يقوم الحقل المتوِّلد بتوليد حقل آخر يساويه مقدارًا ويعاكسه اتجاهًا. وهكذا تتكاثر الحقول وتتعاكس الاتجاهات لتنشأ المادة وتتمظهر أمام أعيننا وفق موضوعات غايتُها تحفيز الذات لمعاينة ذاتها ودفع وعيها للتطور. وهذا هو أنا: دائمًا أشعل نار التناقض، وأثير الشك والجدل، لتستيقظ النفس من الخمول والكسل، وأدفعها عنوة لارتياد الدرب الكارمي لكي تتطهَّر وتستيقظ أنوار الصفات الإلهية الكامنة فيها."

نظرت هيرا إلى إيو وقالت: "لولا تناقضي معكِ، ولولا آلامكِ ومعاناتكِ، لما جاء إلى العالم ذاك البطل الإلهي." ثم نظرت إلى لاتونا وقالت: "ولولا معاناة لاتونا، لما جاء إلى العالم أبولون إله النور ولا أخته أرتيميدا!"

***

 

محاكمة هادس
إله الجحيم

 

تقدَّمت لاتونا من مجمع الآلهة قائلة: "جميعنا قد سمع بالألم وبناره الكاوية. لكن من لم يتذوقه فلن يعرف ما تحمل هذه الكلمة من معنى." وأضافت قائلة: "أنتم جميعًا تعيشون في عالم الأولمب، وتنعمون باللذة والسعادة والهناء، وتقررون أقدار البشر التعساء؛ وهناك في العالم السفلي يقبع البشر أسرى خياراتكم ولهوكم. ولكم يؤسفني أن أرى أشد عقابكم توقِعونه بالبشر عن طريق إرسالهم إلى العالم الأسفل، دون أن تكلِّفوا أنفسكم عناء حمايتهم من الأخطاء وسوء العاقبة."

ثم توجهت لاتونا إلى هادس قائلة: "أيْ هادس... أيها الإله المجيد الذي وصفتْك الأساطير بالكالح الوجه، وبالإله الغاشم الصخري الفؤاد. يا مَن تقول عنك الحكايات بأنك تترع كؤوس مجدك ولذتك من آلام المعذبين. إليك أتوجَّه بسؤالي، فأجبني، وارفع عني كابوس شكِّي وحزني."

أجاب هادس: "الظلم في كلِّ مكان، أيتها الآلهة المجيدة. فكما طاردكِ التنين إلى أن أقصاكِ وراء المكان والزمان كذلك طاردني تنين الفكر البشري حتى مسخني شيطانًا لعينًا." ثم أضاف قائلاً: "بماذا أجيبكِ، سيدتي، وجميع دفوعاتي قد ارتبطتْ بأسرار القوة الحاكمة الكونية. وكما أن أخي زيوس، سيد الآلهة، لم يستطع الدفاع عن نفسه فأنا لا أجد أمامي وسيلة سوى أن أحذو حذوه، وأتَّجهُ إلى بوسيدون للنيابة عني."

اتجهت لاتونا إلى بوسيدون قائلة: "هناك في دياجير الظلمة والمخاطر اللامتناهية تقع مملكة هادس التي لا تصل إليها الشمس. وبالرغم من مرور نهر ستيكس المقدس الذي ينطوي على أسرار البشر والآلهة، إلا أن شواطئه تتردد عليها زفرات أرواح الموتى المليئة بالأحزان. وعلى باب مملكة الأحزان يقبع الكلب الجهنمي كيربيروس ذو الرؤوس الثلاثة التي تنشب حولها أفاعٍ تفحُّ فحيحًا رهيبًا. وفي وسط مملكة الجحيم هذه، يجلس هادس على عرشه الذهبي إلى جانب زوجته. وتقوم على خدمتهم ربات الانتقام وآلهة الموت ومصاصات الدماء. أما الأرواح فتذوق عذاباتها الأبدية. آه، أيتها الآلهة، لكم يحترق فؤادي عندما أستمع إلى قصص المعذبين البائسين. وأكثر ما يحزُّ في نفسي قصة أوروفيوس الذي لم يرتكب في حياته إثمًا سوى جريمة الحب!"

نظرت لاتونا إلى مجمع الآلهة، وقرأت علائم الاستغراب والدهشة على وجوه الآلهة. ثم أضافت قائلة: "منذ متى كان الحب جريمة تعرِّض صاحبها للإهانة وللعذاب الأبدي؟!" ثم أضافت سائلة: "ألم تسمعوا بقصة المسكين أوروفيوس الذي حرمه الموت من محبوبته، فنزل إلى العالم السفلي للعودة بها، وعانى ما عاناه وقاسى أشد أنواع العذاب، وفشل، بسبب ما كان يشتعل في قلبه من نار الحرقة واللوعة، فعاد منه والحسرة تأكل قلبه دون أن يحقق أمنيته بعودتها. لكن الباخيات الماجنات حقَّقن له حلمه في إعادته هو إلى العالم الأسفل، بعد أن حطَّمْن له عظامه وسلخن جلده."

نظرت الآلهة إلى لاتونا، فوجدت الدموع تغطي وجهها. جلست لاتونا وهي تقول: "أيُّ مجدٍ عظيم تقوم عليه هذه العوالم؟"

تقدَّم بوسيدون وقال: "ليتبارك قلبك النقي الذي عرف الألم، فأنعم على العالم بالنور والرحمة. لكن، يا صاحبة القلب النقي، العالم السفلي حق تجهله العقول القاصرة. فلولا العالم السفلي لما ارتدعت الأنانيات ولما قام العدل!" وأضاف قائلاً: "لكي يكون دفوعي واضحًا وجليًّا، سأطلب من هرقل أن يقصَّ علينا، أولاً، مشاهداته في العالم السفلي، لعلَّها تساعدنا في فهم مغامرة أوروفيوس، وتزيل عنَّا الغموض واللبس."

تقدم هرقل والأنوار تشعُّ من محياه. فانفرجت أسارير أطلس وبروميثيوس ولاتونا وإيو. لم لا، وهو البطل الصنديد الذي اختبر حياة السماء وحياة العالم السفلي، وأنجز بطولاته السماوية والأرضية. وكم كان من العدل أن يتخذ هرقل مكان زيوس ويزيح جميع هذه الآلهة!"

قال بوسيدون: "المجد لك، أيها البطل الكوني المكافح. سأكون سعيدًا فيما لو شرحت، على مسمع من جميع الآلهة، مشاهداتك في العالم السفلي. وسأكون مسرورًا فيما إذا تركت لي الفرصة لشرح كلِّ مشاهدةٍ على حدة، بأن تعطيني الوقت الكافي للشرح."

قال هرقل: "بدأتْ رحلتي إلى العالم الأسفل عندما وقفتُ على شاطئ نهر ستيكس المقدس."

استأذن بوسيدون للشرح فقال: "نهر ستيكس هو نهر الحكمة. فمن أراد أن يدرك أسرار حكمة التكوين عليه أن يعبر حقل الحكمة."

تابع هرقل قائلاً: "وهناك شاهدتُ خارون الشيخ، ناقل أرواح الموتى. إنه صخري الفؤاد."

تابع بوسيدون شارحًا: "خارون، سيد روحي، هو الذي ينقل الأرواح عبر العالم السفلي بعنايته وبإشرافه وفق رصيدها الكارمي. فمن ُقدِّر له أن يعيش أعمى أو كسيحًا أو مكسور الفؤاد، فالمعلِّم يفرض عليه تحمُّل تبعات خياراته، ثم يساعده في إنجاز مهامه في العالم الأسفل بالطريقة المناسبة."

وتابع هرقل قائلاً: "وعند بوابة العالم الأسفل شاهدت ثيسيوس وبيريفويوس مغلولين على صخرة، عقابًا لهما لتجرئهما على دخول العالم الأسفل ومحاولتهما خطف بيرسيفوني، زوجة سيد العالم الأسفل. استنجدا بي، فقمت وحررت ثيسيوس من قيوده. لكن عندما حاولت مساعدة بيريفويوس جاشت الأرض ومنعتْني من تحريره."

شرح بوسيدون قائلاً: "لقد حاول المذكوران اختطاف زوجة سيد العالم الأسفل، أي حاولا امتلاك طاقة ذاك العالم، دون أن يعلما أن أعباء العالم السفلي كبيرة، وأن أغلالها متينة، فقبعا سجينَيْ الكثافة والجلافة. لكن هرقل، بسبب ما كان يمتلك من كارما موجب، استطاع أن يمنح جزءًا منه لثيسيوس فحرَّره. لكنه فشل في مساعدة بيريفويوس لأنه يحتاج إلى رصيد أعلى من الكارما الموجب بسبب ما كان يمتلكه من حصيلة كبيرة من الكارما السالب."

تابع هرقل قائلاً: "كانت مهمَّتي هي القبض على الكلب الجهنمي كيربيروس، حارس بوابة العالم الأسفل ذو الرؤوس الثلاثة التي تنشب حولها الأفاعي." وقال أيضًا: "لم يسمح لي هادس، سيد العالم الأسفل، أن أواجه الكلب بأسلحتي؛ لكنه وافق لي أن أقمعه بساعدي فقط."

قال بوسيدون: "إن الكلب الجهنمي ذو الرؤوس الثلاثة إنما هو الجهل والطمع والحقد. أما الأفاعي فهي الآلام والمحن. فمن أراد أن يتحرر من العالم السفلي وأغلاله عليه مواجهة آلامه، والتخلص من جهله وأحقاده وأطماعه. لقد كان هرقل بطلاً مسلكيًّا ومثلاً مقدسًا؛ ولم تكمن قوته في عضلاته، بل كانت في إرادته وأفعاله."

أنهى هرقل كلامه وعاد إلى مكانه؛ فتوجَّه بوسيدون إلى لاتونا قائلاً: "أما مأساة أوروفيوس، أيتها الأم المقدسة، فدعينا نستمع إليها من فمه."

دخل أوروفيوس مجمع الآلهة بقامته الفارعة ووجهه الوسيم، تعلوه بسمة نشوة روحية نابعة من أعماق سعيدة، يحتضن قيثارته بيد ومحبوبته باليد الأخرى. كانت خطواته على الأرض تعزف إيقاعًا على نبضات القلب، وكانت النسائم تنساب من بين أوتار قيثارته، فيتردَّد منها أعذب الألحان دون أن تمسها أنامل."

قال بوسيدون: "عندما تتوقف الأفكار، وتذوب الصور, تداعب أوتار القلب موسيقى كونية. ولولا تلك الموسيقى لبقيت الصورة والفكر صخورًا تتحطم عليها الأبدية." ثم رحَّب به قائلاً: "أهلاً بأوتار القلب ونغمة الروح الأبدية!"

قال أوروفيوس: "كثيرًا ما أستفيق وأرى نفسي غارقًا في نبضة نغمةٍ مترددة خلف حدود التكوينات. وعندما أحاول التعبير بالكلمات والتشبيهات أرى نفسي أعمى أصمَّ أبكم، عاجزًا عن شرح ما يجيش في قلبي. وكثيرًا ما أرى من يلتاع لسماع ألحاني، لكنه يبقى عاجزًا عن فهمي. وكثيرًا ما أحاول الكلام، ثم أندم وأقول: إن الكلمات مقبرة المشاعر." ثم سأل بوسيدون: "لِمَ طلبتَني؟ وأي فائدة ستجنيها من كلماتي الميتة؟"

قال بوسيدون: "المقبرة التي تأكل ذاتها ولا تنتهي هي عالم الكون. ونحن هنا في عالم الفكر نحتاج أمواتًا كي نكفِّن الأموات! لهذا لا ضير عليك فيما إذا تكلَّمت. إن ذكريات آلامك ومآسيك ماثلةٌ هنا أمام مجمع الآلهة، وقد أشعلتْ نار الشك في القلوب. لذا نرجو منك أن تشرح، على مسمع من الآلهة، خبراتك ومشاهداتك في العالم الأسفل."

قال أوروفيوس: "كان لعذوبة موسيقاي الأثر الطاغي على سلطة سيد العالم الأسفل. لقد اقتطعت وعدًا من هادس أن يعيد لي محبوبتي إفريديكي، لكن بشرط أن تسير ورائي، دون أن ألتفت إليها، حتى مغادرة العالم الأسفل. وأكد لي أنه سيعيدها إليه، ويحرمني منها فيما لو خالفتُ الشرط والتفتُّ إليها." وأضاف أيضًا: "قبلتُ الشرط، وسار أمامي الإله هرمس ليهديني سبيل الخروج. وسار من ورائي طيف زوجتي ومحبوبتي إفريديكي. حاولت في البداية معانقته، لكن هرمس أوقفني قائلاً: عُدْ إلى رشدك... فأمامك طيف لا حياة فيه. هيا بنا كي نخرج، فطريقك محفوفٌ بالمخاطر. وإياك أن تلتفت إلى الوراء وإلا فستحطِّم كل آمالك.

وهكذا سرت خلف هرمس، وعبرنا نهر ستيكس، وأدركنا بداية الدرب الذي يقودنا إلى عالم الحرية. لكن الدرب كان صعبًا وشاقًا، مليئًا بالصخور والمنحدرات. وخيَّمتْ على المكان عتمةُ الغسق حتى كاد هرمس أن يختفي عن ناظري. ولاح من بعيد ضوءٌ خافتٌ يشير إلى بوابة الخروج. لكن النور لم يكن كافيًا، حتى لو استدرت لرؤية طيف زوجتي. واضطربت في نفسي تساؤلات غريبة: هل زوجتي لا زالت تسير ورائي، أم أنها لا زالت أسيرة العالم السفلي؟ وإذا كانت ورائي، فهل تستطيع عبور هذه المنحدرات وتسلق هذه القمم؟ وتباطأت خطاي ورحت أصيخ السمع لخطاها ورائي. لكن متى كان للأطياف وقع خطى؟! وغمر الضوءُ المكانَ، فأعياني التوجس والقلق، ونفد مخزون صبري، فاستدرتُ ورائي ورأيت طيف زوجتي وحبيبتي إفريديكي يكاد يلامسني، فمددتُ نحوها ذراعي كي أعانقها. لكن سرعان ما انفصل الطيف، وراح يبتعد عائدًا من حيث أتينا."

ونظر أوروفيوس في وجه حبيبته وقال: "آهٍ، كم كانت آلامي وأحزاني في تلك الساعة! ليتني أتمزق ألف مرة ولا أعاود هذه التجربة مرة أخرى!"

تقدم بوسيدون من العاشقين وخاطب مجمع الآلهة قائلاً: "في قصة هذين العاشقين تكمن أسرار وجودنا. فكلٌّ منا أوروفيوس ولكلٍّ منا إفريديكه. إن الأنثى ليست سوى طاقاتنا الروحية التي أسرتْها الأعباء الكارمية، أو أعباء الموضوع الوجودي الذي تنسجه خيوط كارما، إسار السبب والنتيجة. جميع النفوس الإلهية ترتاد العالم الأسفل لتحرِّر طاقاتها الحبيسة هناك كي تعود إلى العالم السماوي وتشهد بها مجدها. لكن مأساة أوروفيوس هي مأساة كلِّ نفس يعتريها القلق والتوجس ونفاد الصبر. لقد نجح أوروفيوس في إنقاذ طاقته ومحبوبته من إسار السبب والنتيجة وحياة الانفصال؛ لكن تبقى آفة الإنسان فقدان الصبر وزعزعة الإيمان عندما يوشك أن يصل نهاية الرحلة. فيعيد الكارما التجربة من جديد كي يصنع له خلاص الأبطال."

تدخلت لاتونا قائلة: "هناك مأساة مسكين خاطئ، عجزت الرحمة الإلهية عن غفرانه! ولازال ذاك المعذب أسير دوامات الألم التي ليس لها قرار." ورَجَتْ أوروفيوس أن يشرح لمجمع الآلهة ما يلاقي ذاك المعذَّب سيزيف من أصناف العذاب."

سيزيف  

 قال أوروفيوس : لقد شاهدت المسكين يدفع صخرة هائلة الحجم نحو قمة جبل شديد الانحدار . وكلما كادت الصخرة أن تصل القمة ,انقلبت وتدحرجت إلى الأسفل محدثة جلبة شديدة ,مثيرة غمامة من الغبار . فيعود ذاك الشقي ليستجمع كل ما فيه من قوة ويدفع الصخرة نحو القمة . ويتصبب منه العرق كالمطر , ويتعالى لهاثه كالرعد . وعندما يكاد يصل إلى القمة تعود الصخرة وتتدحرج من جديد .

آه  ما أبشع هذه الحياة البائسة .

 أجاب هاديس : لقد كان لسيزيف قصة مثيرة يجب أن يعتبر منها بني البشر .لقد عاش سيزيف طيلة حياته يجمع المال ويكنزه حتى فاق غناه أبناء جنسه , مستخدماً كامل قدرته في المكر والخداع والدهاء . وعندما جاء أجله أتى إله الموت ليقبض روحه .  لكن سيزيف استخدم مكره ودهائه وقبض عليه وصفده بالسلال .أجبر زيوس على إرسال ابنه آريس إله الحرب ليحرر إله الموت من الأصفاد , وليلقيا القبض عليه ويقتاداه إلى مملكة العالم الأسفل .

وعندما وصل سيزيف إلى العالم الأسفل احتال علينا وطلب منا السماح له بالعودة إلى الحياة كي يطلب من أهله تقديم القرابين له وللآلهة , وأقسم أنه سيعود إلى هذا العالم فور إنجاز مهمته . لكن سيزيف فرّ من العالم الأسفل وعاد إلى عالم الحياة  ,وعاش يصل المآدب بالمآدب , مفاخراً بنفسه أنه البطل الوحيد الذي عاد من العالم الأسفل !. لهذا أرسلت آلهة الموت من جديد  لتستل روحه عنوة وليقبع أسير نتائج خياراته وأفعاله .

 شرح بوسيدون قائلاً : إن مشكلة سيزيف هي مشكلة إنسان هذا العصر . لقد طوّر الإنسان علومه الطبيعية فأطال عمر الفرد , لكنه عجز عن حل باقي مشاكله الحياتية ,  فبقي الإنسان يدحرج صخرة حياته إلى قمة الشهرة والقوة . لكن الصخرة لن تصل القمة على الإطلاق.

إن زيادة الثروة بين أيدي البشر لا تحل مشاكلهُ . لأن الحسد و الطمع سيكبران في النفس البشرية , وهنا ستتدخل قوّة الحرب والعنف بين بني البشر وستدمر كل مساعي الإنسان .

وتابع بوسيدون قائلاً : مهما حاول الإنسان ابتكار أنظمة وأعراف وقوانين جديدة لإحلال العدل والسلام بين بني البشر معتمداً على روح الغنى والقوة والتفوق , فسيبقى كسيزيف يدحرج صخرة هائلة الحجم نحو القمة لكن دون جدوى .

 إن منطق القوة الحاكمة مستمدّ من العقلية السائدة للمجتمع , فإذا كان المجتمع متخلّفاً وطائفياً ومتسلطاً وذو طبع شهواني للعنف والانتقام , فالقوة الحاكمة لن تستطيع قيادته ما لم تكن دكتاتورية وعنيفة ومتسلطة .

إن المجتمع لا يرتقي إلا بارتقاء مبادئه وقيمه ومسلكه . فإذا كرّس المجتمع المبادئ والقيم السامية عند الوسط القيادي , وحافظ على الفرز الدائم والمتجدد لنخبته , عندها فقط يستطيع  تحرير نفسه من قدر سيزيف .

وتابع بوسيدون قائلاً : إن لم يتيقظ المجتمع البشري لهذه الحقيقة فسيخسر نفسه كل دور وسيتكرر دمار الأرض كل حقبة .

 

                  هرقل

 شعرت آيو أن دفوعات بوسيدون قوية ومقنعة وخافت عذابات حفيدها هرقل  أن  تضيع سدا , بين دفوعات وإطراءات وجدالات مجمع الآلهة , فتدخلت قائلة لبوسيدون : أرجو أن لا تسمح يا حكيم الآلهة بتخدير ضمائر الآلهة عبر المجاملات والإطراءات , لأن مأساة حفيدي هرقل لازالت ماثلة أمام عيني . فإذا كانت عذاباتي من اجل المساعدة  لولادة هرقل فلماذا يعذب هو إذاً ؟.

وأضافت قائلة : أرجو أن تسمح يا حكيم الآلهة بمثول هرقل ثانية بين أيديكم , وتفضلوا بشرح مبررات همجية و أحقاد هيرا  ,علّنا نجد المبررات المقنعة .

 أجاب بوسيدون : عندما تشخّص النواميس تبقى ذكريات الألم ماثلة , لذا اقتضت العدالة المحو المتكرر للشخوص عبر أطوار التكوين !. ولا ضير في أن أشرح ثانية وثالثة  حقائق ومعاني ألعاب العقل في لعبة خداع التكوين .

 تقدم هرقل أمام مجمع الآلهة وقال : لقد كانت هيرا سبب كل شقائي وأسقامي , فقد ساءها  اقتران أبي زيوس بأمي  الفانية , لهذا أوقعت أبي في الخديعة وحرمتني الملك , وجعلت مني عبداً لذاك الجبان الرعديد يوريثيوس .

 شرح بوسيدون : كان القدر قد رسم الخلود لهرقل عبر مروره بالعالم الفاني كي يكون رمزاً خلاصياً للبشر , والألم كما نعلم نصيب المختارين . لهذا كان لزاماً على هرقل أن يخضع لإشراطات  العالم الأسفل ويقوم بإنجازاته الكارمية حتى ينال الألوهة والخلود .

 تابع هرقل قائلاً : لقد سلطت هيرا عليّ الأفاعي وأنا لازلت رضيعاً كي تحطم عظامي وتبتلعني . لكن قوة عظيمة دبّت في كياني فقتلتها جميعها .

 قال بوسيدون : الأفاعي تعني الأمراض والأسقام والمحن . وهذا يعني أن النفوس المكافحة الطامحة للخلود تبدأ كفاحها وبسالتها منذ الولادة عندما تواجه الأمراض والأسقام .

 وتابع هرقل قائلاً : وعندما بلغت اشدي , أهداني هرمس سيفه , وأهداني أبولون قوس وسهام , وصنع لي هفست إله العلم درعاً , وحاكت لي أختي الحبيبة  أثنا  آلهة الحكمة والنصر , ثيابي .

 شرح بوسيدون : السيف رمز المعرفة , والسهام  والقوس رمز الكلمة  والحكمة , والدرع رمز الثقافة والحنكة والشخصية , أما الثياب فهي رمز تجلي الحصيلة المعرفية في الشخصية .

 وتابع هرقل : بالرغم من  ذلك , فقد سلطت عليّ هيرا مرض الجنون , فوقعت في نوبة , فقتلت أولادي !.

 قال بوسيدون : الولد رمز العمل , وقتل الولد هو إضاعة نتائج العمل . لهذا اقتضت الحكمة أن ينال الخلود كل من لم يتعلق بنتائج عمله الأرضي . ألم تقل الحكمة : واجبك العمل وحقك الوحيد أن تعمل أما ثمار عملك , فليست من شأنك!.

إن العالم الأرضي هو عالم وهمي !. وكل صنيع في العالم الأرضي , إنما هو وهم !. فإذا تعلق الإنسان في الوهم , علق الإنسان في دوامة الموت والحياة , ولم يستطع نيل الخلود !.

 ثم تابع هرقل قائلاً : وبعد أن تطهرت من إثم الجريمة التي ارتكبتها والتي أوقعتني بها هيرا دون وعي . قال لي الإله أبولون بأني سأنال الخلود إذا ما خضعت لعبودية ذاك الجبان الرعديد يوريثيوس , اثنا عشر عاماً . وإذا ما أنجزت اثنتي عشرة معجزة .

وتابع قائلاً : وبالفعل أوكلني يوريثيوس في قتل أسد نيميا و أفعوان ليرنا وخنزير جبل ايريمانث وأن أجلب له الكلب الجهنمي كيربير حارس بوابة العالم الأسفل .

 شرح بوسيدون قائلاً : بداخل كل إنسان وحوش وآفات وضواري , فكلب الطمع والجشع ينهش كاهل الإنسان من الداخل . والغضب والبطش والعنف يهددون بدمار العالم . والشهوة والمرض و اللامبالاة سبب احتضار كل حياة . لهذا فإن هرقل وأي إنسان لن يستطيع أن ينال الخلود إلا عندما يتمكن من تقويض عزوم هذه الضواري داخل نفسه.

 قال هرقل : وأثناء صراعي الدامي مع القناطير , أخطأ سهمي القاتل سبيله , وغرس في فخذ صديقي وحبيبي القنطور خيرون الحكيم , فقرر أن يدخل العالم السفلي طواعية .

 شرح بوسيدون : السهم هو كلمة الحكمة , والفخذ هو الأهل والعشيرة . وبالتالي فإن سهم هرقل الذي دخل فخذ خيرون هو سلسلة الحكمة والحكماء . وهذا يعني أن كلمة الحكمة لابد أن تمر عبر السلالة البشرية لتنير عالمها الموحش . أما خيرون فهو تجلي لصورة الحكيم في العالم الأرضي .

 قال هرقل : لقد منحتني حصيلة أعمالي وتضحياتي الكارمية قدرة  إعادة الأموات إلى الحياة . لهذا قمت بإعادة الحياة إلى جسد زوجة صديقي آدميت .

 قال بوسيدون : عندما يكون الرصيد الكارمي عالٍ جداً , يستطيع الحكيم المكافح أن يتنازل عن قدرٍ معين من هذا الرصيد للآخرين , فيمنح الحياة لهم تماماً كالمسيح وكرشنا .

 قال هرقل : لقد أوكل إليّ , أن آتي بأبقار جيرون من العالم المظلم بالرغم من الكلاب والعمالقة والمردة التي كانت تحرسها . وقد أتممت مهمتي بنجاح .

 قال بوسيدون : إن الأبقار هي السنين وأطوار الحياة . لقد كان من واجب هرقل أن يتابع رحلته عبر التاريخ البشري بالرغم من كلابه ووحوشه وضواريه كي ينقذ البشر من الانهيار والدمار .

 وتابع هرقل حديثه فقال : وأتممت معجزاتي الاثنتي عشرة , عندما حملت الكون على كاهلي عن أطلس , وحصلت على التفاحات الذهبية .

 شرح بوسيدون : ببسالة وكفاح وصبر وأناة , استطاع هرقل حمل الأمانة الكونية وفاز بثلاثة سويات من التجليات الإلهية . ونال حريته وهو موجود في العالم .

 قال هرقل : لكني لم أستطع التمتع في حريتي فقد سلطت عليّ هيرا آفة الغضب والحنق وأنا لازلت في العالم الأرضي أجد وأثابر كي أحصل على المزيد من الرصيد الكارمي . فقتلت ضيفي وأوقعت نفسي بجريمة كان  ثمنها أن أباع  كعبد , ولتستمر عبوديتي ثلاث سنوات أخرى .

 قال بوسيدون : عندما يقتل الإنسان الآخر فإنه يتحمل تبعات المقتول الجرمية . وبالتالي تابع هرقل حياته في العالم الأرضي بتحمل التبعات الكارمية عن الإنسان , وبالتالي كان مثالاً للكرم والتضحية . فما قيمة الحكيم إذا خلّص نفسه وترك أحبته ؟.

 تابع هرقل : لكن هيرا لم تكف عن أذيتي . وهكذا سلطت إله النوم على عيني أبي زيوس فغط في الرقاد . ثم سلطت عاصفة على سفينتي قادتها إلى مكان التباس , فأوقعت الحرب بيني وبين ابن بوسيدون فقتلته خطأً .  

وعندما استيقظ أبي زيوس من رقاده وعلم بمأساتي ربط هيرا بسلسلة ذهبية وعلقها بين السماء والأرض وربط  بقدميها سندان ثقيل .

 قال بوسيدون : في المشاحنات تتكشف مثالب النفس . وهكذا يسمح القدر لنفسه في إيقاع الصدام بين القوى الخيرة لتتكشف مثالبها وتصقل نفوسها . لهذا تفوقت فضائل هرقل على فضائل الحكمة التقليدية . لكن في الطور الآخر من المحن تتعلق قوى الأنا ورغبات التميز عن العمل لتعطي النفس الوقت الكافي لمراجعة سلسلة اختباراتها , بغية مساعدتها في استقصاء سبيل الخلاص .

 قال هرقل : لكن خلاصي كان مأساوياً . فقد أوقعت الغيرة في نفس زوجتي بحماقة قاتلة , فألبستني ثوباً كان سبباً لمرضي وتمزق جسدي . واشتعلت الآلام في جسدي ولم يكن لي سوى الموت , السبيل الوحيد للخلاص . لقد صليت بمرارة وتوّسل للآلهة علّها تمنحني الموت وتريحني من العذاب . لكن الآلهة وقفت , وقفة لامبالاة , أمام عذاباتي التي تعجز عن حملها البشر . عندها توسلت لولدي هيل أن يصنع لي محرقة كبيرة ويشعلني , ويرحمني , ويساعدني على الخلاص من هذه الآلام . لأن عذاب النار أهون من عذاب تمزق الجسد ببطء .

وبعد إلحاح وتوسل لولدي , أجبر على إضرام النار بي , وعلا لهيبها  في  السماء . عندها شاهدت أثينا و هرمس آتيان في مركبة ذهبية , خلصاني من العذاب , وحملاني  إلى السماء . وهنا نلت الخلود .

 قال بوسيدون : الحكيم الحق لا يتحرر إلا إذا أعتق نفسه من حب الدنيا وتعلقه بها . فتعلق الإنسان بعواطفه ونتائج عمله يغلّه في أعباء الدنيا ودوامة الموت والولادة . لكن عندما ينجز الإنسان أعماله الكارمية واضعاً نصب عينيه هدف خلاصه , عندها يصبح مصيره بين يديه . وهنا يستطيع مغادرة العالم ساعة يشاء .

 قالت آيو : من المؤسف أن لا تأتي السعادة السماوية إلا بعد  شقاء أرضي  دامي . ومن المؤسف أن تستمد الحكمة ديمومتها من بؤرة شرٍ حقيرة !.

 قال برومثيوس : لهذا كنت أقول دائماً إني أكره جميع الآلهة وكم يؤسفني أني رضخت أخيراً واستبدلت آلامي , بعبوديتي لزيوس . ثم خاطب الآلهة جميعاً قائلاً : هذا هو سيد العوالم وسيدكم يقف حائراً عاجزاً عن معرفة وسيلة الخلاص . وهاهو إله الحكمة بوسيدون يفيض بكل ما عنده من وعظ وحكمة لإيجاد مبررات قسوة وهمجية آلهة السماء , لكن دون جدوى . وسيبقى الكوكب الأرضي حبيب زيوس عرضةً لعبثه ودماره كل يوم . وإني لأعجب من هذا الحب العاهر ؟.

 امتعض زيوس وراحت عواصف الغضب تعصف في كيانه . لكن هيرا تدخلت قائلةً لبروميثيوس : من المؤسف أنك لم تستطع إدراك الحكمة التي تضمنتها دفوعات بوسيدون إله الحكمة . وهذا لا يعود لضعفك العقلي ولا لعجزك , إنما يعود لحقدك وكراهيتك وأطماعك في انتزاع ملك مالا تستحقه . وأنصحك أن لا تستثمر الحرج والضيق اللذان أوقعتنا بهما ديميترا , وأنا أّلزمك الصمت وإلا جعلت زيوس يطيح بك في أعماق الترتار المظلم .

                                   آتا

                               "آلهة الخداع"

 لم يستطع زيوس كتمان عواصف الغضب بداخله , خاصةًَ وقد فقد مجمع الآلهة انضباطه واحترامه فتطاير الشرر من عينيه وتطايرت منه الصواعق في كل حدبٍ وصوب , ووقف منفجراً بصوتٍ مدوٍّ . فارتعبت الآلهة ولاذت بالصمت فالكل يعرف ماذا يمكن أن يفعله ذاك الإله الغاشم ساعة غضبه .

قال زيوس : لقد فقد مجمعنا الاحترام والانضباط , وساد الهرج والشتم والتهكم في كل حدب وصوب . وقبل قليل كنتم تحاكموني بتهمة الديكتاتورية . فهل كنتم تظنون أني كنت أمارسها عن طيب خاطر ؟. أم كنتم تظنون أن أسمح بإطلاق أيديكم على الغالب ليتحول عالمنا إلى أداة عبث بمصائر الأكوان .لذا ألزمكم الصمت وإياكم أن تتكلموا في حضرتي ودون إذني .

 صمت زيوس وصمت مجمع الآلهة وراح يرقب ما يخفيه زيوس من قرارٍ مصيري .

 عاد زيوس إلى الكلام فقال : اعلموا أيها الآلهة أن آتا آلهة الخداع لم تخدعني فحسب , بل خدعتكم جميعاً . وأنا لا أستطيع اتهامكم بالحماقة لأني أنا وقعت في حبائلها أيضاً .

وأضاف زيوس متسائلاً : ماذا أفعل بآتا ؟. تلك اللعينة  التي  طوحت  بها عن جبال الأولمب , فسكنت عقول وقلوب البشر !. كيف أنقذكم ؟ كيف أنقذ البشرية  من هذه الآلهة الرعناء ؟ . كيف أستطيع قتلها ؟ كيف أستطيع سجنها ؟ كيف أستطيع سلخ جلدها ؟ وأنظمة الكون والمصائر تحمي حياتها ووجودها !.

 وأخيراً قرر زيوس أن يرضخ لعجزه وضعفه وقرر مسائلة آتا , علّه يستخلص من دفوعاتها العبر , تمكنه من تقويض سلطتها على العوالم .

 هنا أرسل زيوس على الأرض عاصفة عاتية , حملت آتا من الأرض ورمتها تحت أقدام الآلهة .

 نظرت آتا حولها فوجدت نفسها في مجمع آلهة الأولمب الذين كانوا ينظرون إليها وإلى هيئتها التائهة المشدوها , وهي لازالت عاجزة عن إدراك ما كان يحدث لها . ظنت آتا أنه قد جيء بها لملاقات حتفها عقاباً  لخداعها وشرورها .

راحت آتا وهي ملقاة على الأرض تجول بنظرها حول الآلهة , وهي لا تعرف ما يتوجب عليها تصرفه .

أخيراً قررت آتا الدفاع عن نفسها . فوقفت على قدميها وخاطبت الآلهة قائلة : من احتيال أبينا كراون إله الزمن على جدنا أوران إله السماء , ولدت , فما ذنبي ؟.

من لعبة إخراج الممكنات إلى المكان , أتيت , فما حيلتي ؟.

من لعبة سباق الذوات لإدراك ذاتها , أتيت , فما جريمتي ؟.

من لعبة خفاء الواحد في الآحاد تنشقت نسمة وجودي , فما ذنبي ؟.

 ثم خاطبت جميع الآلهة قائلة : الجميع يتهمني ... الجميع يلعنني ... وكأنني أنا ربة المصائر !. ثم سألت قائلة : ألا تعلمون أننا جميعاً وحتى زيوس محكوم علينا بما تقرره لنا آلهة المصائر . فلماذا أيها الآلهة الأجلاء  نتحول إلى بشر ووحوش ونفترس  بعضنا  بعض ؟

 قال زيوس : لقد فرض عليّ القدر تحمل وجودك الكريه على قلوب الآلهة والبشر أجمعين . لقد خدعتني وكتبتي على ابني هرقل أشد أنواع العذاب . فطردتك من عالمنا إلى العالم الأرضي , فماذا فعلتِ بهذا الكوكب حتى استحال إلى كوكب الوحوش والضواري وانعدمت به القيم والمبادئ فاستحق الدمار رحمة به من العذاب !.

 قالت آتا : في العالم الأرضي مئات الحضارات وآلاف الطوائف وملايين المفكرين , فكيف أستطيع أنا وحدي أن أفسد الأرض ؟.

ثم أضافت :  لقد ولدت , وطبيعتي ملازمة لطبيعة سيدتي ومولاتي هيرا زوجك وآلهة الملك , و "الأنا" , والسلطان . وفي كل نفسٍ بشرية يوجد جوهر "الأنا" . وحيثما وجد "الأنا" وجدت أنا آتا معه .

كل فرد يظن نفسه أنه الأعظم !. أنه الأجدر !. أنه الأقوى !. أنه صاحب الحق الوحيد في التميز !.

هذه الأنانية والفوقية تبدأ بصراع الفرد مع أخيه أولاً . ثم والديه ثانياً . وبدوره يتطور الصراع لكي يصبح بين أسرة وأخرى . وعائلة وأخرى . وطائفة وأخرى . وأمة وأخرى . ثم يتطور الصراع لكي يصبح  بين حضارة  وحضارة , عندها تصبح كل حضارة بؤرة للأنانيات العفنة والتقاليد البالية , لتخفي تاريخاً دموياً بشعاً ومزيفاً , ولتدعي العراقة والأصالة .

 ثم تابعت قائلة : المفكرون ورجال القلم تبيع عقولها لإخفاء همجية الزمان ,  وزخرفة تخلف هذه الوحوش البشرية , التي لا تأنو عن افتراس أي فكر نزيه شريف . إنه لمن المحزن أيها الآلهة الأجلاء أن تلك الحضارات تتدفأ على نيران إحراق حكمائها وشرفائها . ومن المحزن أيضاً أن يتساقط الحكماء برعونة , تساقط الفراش بالنار ,  وينتحرون  انتحار الحملان  بين أنياب  الذئاب !.

 ثم سألت آتا قائلة : سموا لي حضارة لم تقتل أو تكفر حكيماً فاضلاً . وسموا لي حضارة قامت بالوعي ودون حد السف ودون الرغبة بالمال والقوة والاستئثار بالسلطة !.

 إن زيف النفس البشرية قد أنجب حضارات مزيفة . وتلك الحضارات المزيفة أسهمت في زيادة زيف وتيه النفس البشرية .

 ثم أضافت آلهة الخداع قائلة :  ليس من واجبي أنا فقط حماية الإنسان , بل من واجبكم أنتم أيضاً . فإن كان أحد يستحق الاتهام فأنا اتهمكم  جميعكم بالتقصير دون استثناء أحد منكم حتى زيوس سيدكم .

 اتجهت آتا نحو زيوس قائلة : أعلم أيها الإله أن القدر قد أعطاك الفرصة عدة مرات لقتلي , فقتلتني . إلا أني في كل مرة أعود وأولد من جديد . ففي كل رحم أنا أعيش !. وفي كل عقل أنا أعمل !. وفي كل قلب أنا اسكن !. أنا أتجدد مع كل ولادة , لكنك  أنت أيها الإله قد شخت , وبدأ الوهن والضعف يتغلل إلى عقلك وكيانك . فاقتلني لأنني أنا الخالدة دوماً في لعبة خداع الوجود , خارج لعبة الإشراق والتجلي . أما أنت أيها المسكين فلعبة التجلي تقهرك وتقض مضجعك وتستهلك طاقتك وتطيح بك خارج حدود النسيان . فكما أن برومثيوس أدرك مكنون الغيب دونك , وكما أن هرقل له الفضل في الحفاظ على ملكك بعد عجزك وضعفك وفقد حيلتك , وكما أن مصيرك محكوم عليه بما تقرره لك آلهة المصائر . فأنا سأضل معضلتك حتى آخر ساعة  من  وجودك .

 قطب زيوس جبينه منذراً بغضب ساحق . لكن آتا قالت : لا تغضب يا سيدي . فأنا قد شخت مثلك , وقرفت ألعابي وجاء دور تغيير قميصي . ثم أضافت آتا قائلة : لقد جرّت لعبة هذا الكائن الهمجي الذي تسمونه الإنسان القرف والإقياء على قلبي . فاسمحوا لي أن أشارككم مسعاكم في كشف طريق الخلاص له .

 قال زيوس : كل شيء يشيخ , وكل شيء يزول , و تبقى فقط النواميس الكونية خالدة  , لكن يتبدل مرتدوها على الدوام !. صمت زيوس ثم أضاف : لابأس ليسجل تاريخ الآلهة أن زيوس لم يقع في العجز  واستعان  بهرقل  فحسب , بل أنه قد وقع بالعجز واضطر الاستعانة بآتا آلهة الخداع من أجل الحفاظ على ماء وجهه . ثم وجه خطابه للآلهة جميعاً : دعونا نعفي هذا الكوكب من الدمار عن طريق إيجاد حضارة بديلة قوية ومتينة .

واستدرك زيوس قائلاً : قبل أن نؤسس حضارة جديدة لابد لنا من البحث عن المعنى الحقيقي للحضارة . ثم أضاف: يظن البعض أن الحضارة ما هي إلا جملة صروح صخرية وتاريخ مذابح وعروش أباطر , وهذا الظن ظلم وافتراء وتجني على الحقيقة . لهذا أريد منكم أن تحددوا لي المفهوم الحقيقي للحضارة .[/align]
"شكرا لك":
*
سجل

Quando coeli movendi sunt et terra Dum veneris judicare saeculum per ignem
Arch
عضو ناشط
***
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 169



الجوائز
« رد #1 في: 15/05/2006, 16:45:26 »

سبحان زيوس !
موضوع طويل وتشكر على المجهود يا أخ vortex ...
 flowers  flowers  flowers   flowers
سجل
Lao-Tseu
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 851


الحياة - الحب - الحق - العقل


الجوائز
« رد #2 في: 20/05/2006, 11:38:06 »

جمييييييييييييييييييييييل يا عزيزي vortex  شكرا لمجهودك  kisses  kisses  kisses
سجل

Carpe Diem- نحن لا نرى جيداً إلا بالقلب فالجوهري لا تراه العيون ( الأمير الصغير )- يا هذا البدوي تزود وأشرب ما شئت   فهذا آخر عهدك بالماء ( مظفر النواب )
Lao-Tseu
عضو بلاتيني
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 851


الحياة - الحب - الحق - العقل


الجوائز
« رد #3 في: 20/05/2006, 13:15:19 »

أكرر اعجابي بما كتبت يا صديقي بعد القراءة الثانية  flowers و أنتظر كما البشر كلهم ما ستخرج به حكمة زيوس في تحديد المفهوم الحقيقي للحضارة .
ربما طول الموضوع سيثني البعض عن قرائته ولكن عن نفسي فقد استمتعت به حتى آخر قطرة و طربت به حتى آخر حرف ...
تحياتي لك و للجميع
سجل

Carpe Diem- نحن لا نرى جيداً إلا بالقلب فالجوهري لا تراه العيون ( الأمير الصغير )- يا هذا البدوي تزود وأشرب ما شئت   فهذا آخر عهدك بالماء ( مظفر النواب )
sam
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,525


الجوائز
« رد #4 في: 21/05/2006, 14:29:47 »

صديقي vortex
لو تعلم كم اتجشم من ارهاق في سبيل فهمك(طبعا اقصد ذلك الجزء في الرياضيات والفيزياء الخاص بدراسة ال vortex)
موضوع رائع للغاية يدل علي سعة اطلاع وقدرة لغوية وذهن منسق وووووووووووووو
مش هزود عن كده لئلا يصيبك الغرور
المهم موضوع لا اعرف حتي الان كيف اشكرك عليه
تقبل زهوري flowers  flowers  flowers
سجل

لا حرية لاعداء الحرية
لا تنحنى لاحد مهما كان الامر ضروريا , فربما لا تواتيك فرصة الانتصاب مرة اخرى
Aeolus
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,968


Moon Spell


الجوائز
« رد #5 في: 21/05/2006, 16:46:42 »

شكراً أيها الزملاء الأعزاء لقد أخجلتم تواضعي  بردودكم .  Embarassed
أما عن قصة آلهة الأولمب في القرن الحادي و العشرين لقد كتبتها في أكثر من موقع بأكثر من اسم مستعار وقد قام بنشرها موقع معابر باسم مستعار على أمل أن يقرأها الغير و تصل الفكرة  و ذلك قبل أن يصاب بأزمة مالية و يفلس . و كنت دائماً أتهم بالزندقة في المواقع الإسلامية  و يحررون القصة و يقومون بحذفها !!!
ولي عدة قصص قصيرة :
آشور الغريق
شفنتوفيد في سجن شيوعي
لاكوتا  العم سام
بحيرة السوسن
ترانيم العدم
حتى أنت يا الله
و غيرهم
ولكني لم أوفق حتى بنشر واحدة منهم و سأحاول إن أسعفني الوقت أن أقوم بنشر بعض منها في هذا المنتدى

أما عن النهاية في تلك القصة إليكم التتمة  أرجو أن تنال إعجابكم  tulip


[align=center]صدام الحضارات

قال زيوس: لقد وعى الإنسان خطورة الانزلاق في فخ صراع الحضارات، لهذا يدعو الآن إلى الحوار. فهل سيتمكن من النجاح وتجنيب الأرض كارثة الدمار؟.  

قالت أثنا هذا يعتمد يا مولاي على نوعية المحاور وأهدافه وصلاحياته. لكن من المؤسف أن معظم المحاورين ما هم إلا من منتفعي السلطة السياسية والطائفية والقبلية، ومن المؤسف أيضاً أن أهدافهم لا تتعدى حدود المحافظة على مصالحهم.

ثم تساءلت أثينا: متى كان القادة في العالم قادرين على تغيير أو تعديل الرؤى القومية للبشر؟.

إن البشر متعصبين بالغريزة لقومياتهم. والسلطة تدرك أن أي تلاعب في الرؤى القومية سيهدم عروشهم. لذا تتلاعب القادة في المشاعر القومية لتأمن استمرارية عروشها، وخنق البدائل القيادية، وبالتالي تغرق القوميات في دياجير التعنت والتعصب.

وأردفت أثنا قائلة: ومتى كان للسلطات الدينية الصلاحيات في تغيير الأسفار الدينية؟!.  

قال أبولون إله النور: لقد دقت الطائفية المسامير في نعشها، عندما اعتبرت أن كل طائفة هي الوجه الوحيد للحقيقة، واعتبرت أن كل ما عداها هو رجسٌ من عمل الشيطان من الواجب سحقه ودماره.

وبكل حماقة حصّنت كل طائفة نفسها، عندما اعتبرت أن أسفارها هي الأسفار الصحيحة والوحيدة المنزلة من الإله، وحللت سفك دم كل من يشكك بأي حرف منها، أو يفكر بالشطب أو التعديل.

وهكذا تكاثرت الطوائف تكاثراً سرطانياً. وتناقضت مصالحها وتوجهاتها. وبالرغم من الحروب التي افتعلتها عبر التاريخ إلا أنها وصلت اليوم إلى قناعة مفادها أن كل طائفة بمفردها عاجزة عن ابتلاع العالم. لذا فإنها مجبرة اليوم على إخفاء بغضها وحقدها على الآخرين.

واليوم تشعر كل طائفة في عصر العولمة بتهديد وجودها، لهذا تلجأ الطوائف اليوم إلى المداهنة وإطلاق شعار حوار الحضارات، متـزيية بثوب المحبة والإخاء ورغبة التوجه لعبادة إله واحد. لكن لو طلبت منها أن تشطب أو تعدل الجمل والمفردات التي في أسفارها التي تكفـّر وتهدر دم الآخرين، فإنك ستفقدها صوابها!. لماذا؟. لأنها تعتبر نصوصها إلهية، وتستبيح دم كل من يشطب أو يعدل حرفاً!.

ثم أردف إله النور قائلاً: إن حوار الحضارات في هذا المستوى ما هو إلا حوار طرشان، لا يعفي البشرية آجلاً أم عاجلاً من سقوطها المزري في أحضان الغش والمداهنة وافتعال الحروب.

قال هرمس: من يقرأ تاريخ البشرية سيجده قائماً على المذابح والصراعات الدامية بين القوميات والعرقيات المتعددة. وسيبدو له التاريخ بحيرة أسماك، القوي فيها يأكل الضعيف.

ثم تسأل هرمس: من يطرح مبدأ حوار الحضارات هل يمكنه التضحية بمصالحه القومية من أجل تحقيق العدالة الإنسانية؟.

وتساءل أيضاً: هل توجد قوّة في العالم قادرة على تحقيق العدالة بين الشعوب بعيداً عن تحقيق مصالحها؟.

إن مبدأ القوة واحتواء الآخر هو المبدأ الوحيد السائد في العالم. لكن عندما تتشكل قوّة عظمى وتتمكن من بسط سيادتها على العالم، ينشأ صراعاً بديهياً بينها وبين العالم. لأن مصالحها قد تحققت على حساب مصالح باقي شعوب الأرض. ومع هذا الصراع يلتهب شعور الحقد الذي يغذي نزعة العنف. لهذا تدعو القوّة العظمى إلى حوار الحضارات، بهدف خنق الشعور الناجم عن ظلمها واستبدادها، ويمكنـّها من بسط نفوذها، وخنق كل تكتل يدعو إلى الحرية والمساواة.

وأكد هرمس قائلاً: إن حوار الحضارات في هذا المستوى هو حوار طرشان أيضاً.

قال هاديس: عندما تشعر القوّة المستضعفة بهزيمتها فإنها تجد أمامها طريقان، إما العنف عبر حرب العصابات وضرب أمن ومصالح القوة العظمى، أو تتأمل هزيمتها وتتأكد من أن سببها هو الإهتراء الداخلي لمجتمعها. فزبانية السلطة والكهنوت هم المنتفعين من تلك الهزيمة، وإن مصالحهم تتعزز كلما زاد الجهل والتخلف في المجتمع.

في هذه الحالة يتعزز شعور انعدام ثقة الفرد في مجتمعه ويرى أنه بحاجة إلى قوة استعمارية خارجية لتحكمه، ولتطوّر به جميع مناحي الحياة، كي يصبح في المستقبل قادراً على حكم نفسه وتحمّل المسؤوليات.

وليس من المستغرب أن معظم شعوب العالم الثالث قد أصبح أكثر سوءً بعدما تحرر من الاستعمار، وبالتالي سيطالب الناس يوماً بعد يوم بعودة الانتداب على الدول المتخلفة. وهنا ستندحر حضارات إنسانية عديدة ذات جذور عريقة وتنتعش حضارة المفترس القائمة على الغطرسة والتسلط والفساد.

قال آريس إله الحرب: يتهمني الإنسان الأحمق بأنني سبب دمار وهلاك البشرية. متى سيتبين لذاك الأخرق بأنني لست سوى ناموس كوني، معني بتصريف الطاقة السالبة التي يولدها الإنسان عبر أحقاده وجنونه وشروره وأنانيته.

ثم أردف إله الحرب قائلاً: إن الإنسان الفاضل ينجب مجتمعاً فاضلاً، ينتج بدوره كارما موجبة من محبة وفضيلة. أما المجتمع السافل فينجب كارما سالبة من حقد وجنون وشرور. ونحن نواميس الكون معنيون برد أفعال الإنسان سالبة كانت أم موجبة.

وأضاف إله الحرب: أنا كإله حرب معني بتصريف الطاقة السالبة عبر قتل وإفناء القوى المتناحرة، حفاظاً على توازن قوى الحياة، وإلا اخترقت هذه القوى السالبة باب الترتار ووصلت إلى التنين تيفون ذو الرؤوس المئة، ودبت الطاقة في أسد نيميا وأفعوان ليرنا والكلب الجهنمي كيربيروس، عندها سيزلزلوا الأرض ويقلبوا عاليها بسافلها، وتختفي الحياة وتطوى الأرض!.

وقف برومثيوس واضعاً يده على صدره, متحسساً مكان غرس الحربة التي أمر زيوس بغرسها وقال: الإنسان الأحمق في الدول الفقيرة يتحجج دائماً بالاستعمار. والإنسان الفاجر في الدول الغنية يتحجج أيضاً بالعنف والأصولية. وأنتم معشر الآلهة تسلكون مسلك البشر المتوحشة وتتحججون بالتنين تيفون.

وسأل برومثيوس الآلهة قائلاً: من كان سبب ولادة تيفون ذو الرؤوس المئة؟. اسألوا أمكم هيا آلهة الأرض ما الذي أجبرها على الاتحاد بالترتار المظلم كي تنجب ذاك الوحش الكوني الرهيب؟.

راجعوا تاريخ الآلهة... ادرسوه جيداً... أميطوا اللثام عن خفاياه... لا تكونوا كالإنسان المتوحش الذي ينسج خرافة عظمته عن طريق طمس وتشويه معالم التاريخ الحقيقي.

ثم قال برومثيوس: اعلموا أن سبب ولادة الوحش الكوني تيفون هو زيوس سيد العوالم أجمعين.

واقترب من زيوس وقال: لقد كان لقسوتك وبطشك وجبروتك لامتلاك السلطة، السبب المباشر الذي أثار النقمة في قلب آلهة الأرض فاتحدت بالترتار المظلم لتجلب إلى العالم ذاك الوحش الكوني الرهيب.

وخاطب برومثيوس الآلهة قائلاً: أجل له مئة رأس من الحقد والعنف والغضب والوحشية والأنانية والغطرسة والتعصب.وقامت حرب مدمرة بين وحشية زيوس ووحشية تيفون وكادت الهزيمة أن تقوض عرش زيوس لولا استنجاده بالهيكاتونخير ذو المئة يد من الأعمال الصالحة. وهكذا استطاعت الأعمال الصالحة أن تكبل ذاك الوحش وتعيده إلى الترتار وأن تسجنه هناك. لكنه لا زال حياً ولازال يهدد الأرض بالبراكين والكوارث والزلازل. خاصة وأن طاقته قد انسلت واتحدت بالمرأة إيخندا التي نصفها أفعى أي الطاقة السالبة، فأولدها الأفعوان ليرنا ذو الأمراض الفتاكة، وأسد نيميا ذو طاقة الغضب والوحشية والهمجية.

وهكذا تهددت حياة البشر وتزعزع عرش الآلهة، في وقت كان زيوس منشغلاً باللهو مع زوجاته، ولأنه كما يقول وقع ضحية خداع آتا آلهة الخداع.

ولم تستطع قوة زيوس مع الآلهة مجتمعة الذود عن كرامة الأولمب، فانبرى هرقل ذاك الإنسان البطل المكافح ليكفـّر عما جنت أيدي الآلهة. فبئس هذه الآلهة وبئس هذا الكون.

قال برومثيوس ما قاله وهو عالم أن زيوس يستطيع دماره بضربة صاعقة واحدة. إلا أن برومثيوس أصبح له خيار الموت أفضل من خيار الحياة. وكان يعلم أيضاًَ أن زيوس لن يمنحه خيار الموت، بل يستطيع أن يعيده إلى أقصى أقاصي العالم ويغلـّه هناك، كما غلـّه في السابق. لهذا وجه برومثيوس خطابه إلى زيوس قائلاً: إن مشهد هذه الحياة البائسة، وآلامي، قبل أن يحررني هرقل، واحدة. لهذا أرجو منك قبل أن تتخذ قرارك الوحشي بحقي والذي فقد كل الأثر في نفسي، أن تتأمل نفسك وتدرس ذاتك جيداً.

وتابع قائلاً: إن أفعال البشر الهمجية تغذي الطاقات السالبة الكونية. وإن الوحش تيفون يترع كؤوس الطاقة السالبة بكميات لا حصر لها. وإن أيدي الهيكاتوناخير المئة من الأعمال الموجبة تغلّ يوماً بعد يوم. وإن الهراقلة قد غادرت الأرض، وُصفـّدت الأعمال الفاضلة، وامتلأت الأرض جوراً وظلمة.

وخاطب برومثيوس زيوس بصوت واعظ: ألا تعلم يا سيدي أن الوحش تيفون يستطيع استخدام أحد مخالب أسد نيميا المتغطرس ويضغط أزرار الأسلحة النووية لتدمر ألف كرة أرضية!. ألا تعلم أنه يستطيع استخدام سم أفعوان ليرنا لينشر في الأرض آلاف الأمراض الفتاكة عبر القنابل الجرثومية والكيميائية!. ألا تعلم أن تيفون يستطيع عبر دمار البيئة والتغيّر المناخي أن يزلزل الأرض ويغمس جميع القارات بالماغما!. ألا تعلم أن طاقة النفوس والأعمال السالبة تستطيع أن تجذب المذنبات الشاردة في السماء لتدمر الأرض!!.

                                       

     النهاية

صمت برومثيوس ثم قال: لقد جف فمي من كثرة الكلام، وجفت دموعي من حسرتي ولوعتي على الإنسان، واحترق قلبي من شدة الحزن والألم. ولازالت الآلهة تتسلى وتعبث بالأقدار، ولازال الإنسان غراً أحمقاً يسير كل يوم إلى الهاوية بكل طيش ورعونة.

ثم تسائل برومثيوس: من سيخبر الإنسان قصة دموعي وأحزاني التي رافقته منذ نشأته؟.

من سيخبره بأني أنا من ُصلب مع المسيح، وبأني أنا من ُبترت أوصاله مع الحلاج، وبأني أنا من ُقتل مع سقراط وغاندي، وبأني أنا من طُرد وُشرّد مع فيثاغورس وحكماء الأرض عبر التاريخ، وبأني أنا من كُفـّر وزنّدق وهدر دمه مع شموس الحقيقة.

بكى برومثيوس وانتحب ثم قال: من سيخبر الإنسان عن مرارة هزيمتي به. لقد صلبت كياني وأحرقت روحي كي أحرره، لكنه بقي أحمقاً أخرقاً يتلذذ على امتصاص دمه، ويسبح في بحر قيئه ونتنه.

ثم توجه برومثيوس بالسؤال للآلهة: متى سيستيقظ الإنسان لتقف رحى الموت والعذاب الرهيبة؟. متى سيستيقظ الإنسان ليسبل على أحد أطوار الحياة، ثوب القداسة في يقظة الوعي برحم الكلية؟. متى سيستيقظ الإنسان، لتنار باستيقاظه حقائق الوجود، ولتتكشف باستيقاظه شموس الحقيقة التي رافقته بآلامها عبر تقلباته بالآفاق؟.

متى ستشرق أنوار شموس الحقيقة وتختفي كل هذه المظاهر المرعبة؟!.[/align]
سجل

Quando coeli movendi sunt et terra Dum veneris judicare saeculum per ignem
ارتباطات:
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
 |  علوم إنسانية و شؤون معاصرة  |  تاريخ و ميثولوجيا  |  موضوع: آلهة الأولمب في القرن الحادي و العشرين ! قصة ذات مغزى « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  

مواضيع مرتبطة الموضوع بدء بواسطة ردود مشاهدة آخر رسالة
كارل ماركس فيلسوف القرن العشرين
شخصيات
الحائر إلى الأبد 6 3755 آخر رسالة 14/07/2008, 03:21:08
بواسطة Atahualpa
فرويد عبقري القرن العشرين
المكتبة
The ProPheT 0 2229 آخر رسالة 12/03/2007, 21:34:58
بواسطة The ProPheT
الرجل الذي صنع القرن العشرين
شخصيات
IL PADRINO 4 3448 آخر رسالة 12/09/2008, 00:51:58
بواسطة ThE BLaCk eYe
أكبر كوارث القرن العشرين
المكتبة
باحث 0 2076 آخر رسالة 23/04/2009, 17:57:53
بواسطة باحث
من هم ورثة هوميروس في القرن العشرين؟
مقالات
marco1890 0 2424 آخر رسالة 11/06/2009, 08:35:41
بواسطة marco1890

free counters Arab Atheists Network
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها