|  في الإلحاد  |  في الميثولوجيا و الأديان  |  موضوع: هل سَيَبْرَأُ المريض أم سَيَموت؟ العِلْمُ عند الكَلادْرِيوس!؟ « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: هل سَيَبْرَأُ المريض أم سَيَموت؟ العِلْمُ عند الكَلادْرِيوس!؟  (شوهد 2978 مرات)
ZIAD
اشراف عام المنتدى
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,673


The Universe in a Nutshell


الجوائز
« في: 10/01/2011, 01:09:18 »

عنوانٌ قد يثيرُ، بل سيثير دهشةَ القارئ العزيز بكلِّ تأكيد!!؟؟. فمن هو، أو ما هو الكَلادْرِيوس هذا الذي "يَعْرِفُ" مصائر من هُم في أخطر حالات المرض من البشر؟؟!!

استسلم الإنسان، منذ أقدم العصور، للإيمان بالغيبيات وذلك بسبب قصور العقل البشري عن تفسير أو استيعاب خفايا الأمور وحقائقها وما هي آيلة إليه، أقصد مصائرها أو، ببساطة، ما ستؤول إليه في المستقبل. ولذا فقد نشأت "العرافة "Augury على مختلف أشكالها التي عُرِفَ ما يماثلها أيضاً مثل " الرجم في الغيب" و"قراءة الطالع أو البخت " و" علم التنجيم" Astrology* والأبراج الفلكية، هكذا سندعو هذا الأخير تجاوزاً لأنه ليس من العلم في شيء، (ناهيكم عن الشعوذة incantation والسِّحر Sorcery)، وذلك تمييزاً له عن المصطلح العلمي "علم المستقبل" أو Futurology الذي بات متداولاً اليوم وليست له صلة بما سبق وأَسْمَيْنا. ونعلم كم كان للعرَّافين ونبوءاتهم Oracles في مختلف الثقافات دور مهم في حياة الأفراد والمجتمعات والشعوب والقادة. ونذكر هنا، كمثال عابر فقط، كيف كان الإسكندر الكبير، أعظم القادة العسكريين في التاريخ على الإطلاق، يستشير العرّافين قبل الإقدام على حملاته العسكرية، وهذا غيض من فيض.


وقد طال "علم" العرافة كل ظواهر (جمع ظاهرة) الحياة، بما في ذلك مسألة الحياة أو الموت، وهل هناك أثمن من الحياة بالنسبة للمرء؟ وفي هذا السياق يأتي بحثنا هذا. فما هي قصة الكَلادْرِيوس هذا؟
تعود العرافة بمراقبة الطيور إلى عصور موغلة في القِدم. ونذكر هنا، كمثال عابر أيضاً، كيف استرشد الجنرال سلوقوس الأول نيكاتور، أحد ورثة إمبراطورية الإسكندر الكبير ومؤسس الدولة السلوقية في سورية، بالنسر الذي أشار عليه بالموضع الذي عليه أن يبني فوقه مدينة أنطاكية التي سيجعلها عاصمة لملكه. غير أن العَرَافة باستخدام الطيور لم تلقَ رواجاً كبيراً في الطب.
لعلّ السبب القابع وراء استشعار الإنسان للمستقبل من الطيور هو حقيقة انبهاره الأكيد بطيرانها وتحليقها في الجو والذي أثار خياله منذ الأزل، وهو ما كان عاجزاً عن القيام به، ما حَفَّزَهُ ليصبح مثلها ويطير، الأمر الذي لم يحققه الإنسان إلا متأخراً جداً، أو "البارحة" بمقياس الدهور. فكان أن أناط بها "قدرات خارقة للطبيعة البشرية" بأنها تستطيع استشعار المستقبل.
ثمة مسالك كثيرة في الحياة يستجدي بها الإنسان مخلوقات يدعوها بصفاقته المعهودة بـ"الحيوانات الدنيا" أي "دونه منزلة ورتبة" من منظوره المستعلي على سائر المخلوقات الأخرى غيره هو. فكم من كلب وفيِّ حَمى بيتَه ومزرعتَه، وكم من قطة طاردت الجرذان والفئران وخلَّصته من بلائها، وكم من بقرة زودته بكل أسباب الحياة وكم من عَلَقَةِ طبية امتصًّت ما فَسَدَ من دمه وكم من خلية نحل زودته بالغذاء والدواء وكم وكم وكم.... ليس هذا فقط، بل كم من طبيب ينزعج من أن يوصم بأنه "موضة قديمة" أو "دَقَّة قديمة" بمعنى إنه "يُغَرِّدُ خارج سرب الحداثة" حين يصف لمرضاه مرهماً طبياً قديماً عُرِفَ بـ"مرهم غالينوس" أو "المرهم البارد" الذي ما زال مستخدماً إلى اليوم. وما سنذكره فيما يلي هو اقتباسات مما تورده كتابات وأدبيات الطب القديم، وليست له علاقة بالعلوم الطبية الحديثة بطبيعة الحال. ونحن هنا لا نريد أن نوحي من خلال هذا الحديث بتسليمنا بصحة إيمان الإنسان القديم الذي سبق عصر النهضة بصحة "نبوءات" الكلادريوس بمصائر مرضاه، ولا بخلاف ذلك.

الكَلادْرِيوس:

ثمة طائر اسمه الـ"كَلادْريوس" تَذْكُرُ المصادر القديمة أن بإمكانه تقديم العون للطبيب لو رغب هذا الأخير بذلك. فالمعلوم عن هذا الطير أن بمقدوره أن يشفي المريض من "اليرقان" بنظرة مديدة واحدة منه إلى المريض [ الشكل 1]. بل، وأكثر من ذلك، فإن بمقدوره استشعار إن كان المريض يعاني من مرض مميت أم لا.
ويُخبِرُنا قدماء الكُتّاب (ممن سنأتي على تسميتهم بالتفصيل لاحقاً) بأن الكلادريوس يمكنه أن يستشعر بذلك ويُفصح عنه بدقة للدرجة التي قد يخال المرء معها اليوم أنها تفوق ما يمكن للطبيب المعاصر معرفته بوسائط من قبيل معدلات اختبارات سرعة تثفل الدم erythrothyte sedimentation rate أو التخطيط الإلكتروني للقلب electrocardiogram (ECG) أو التخطيط الإلكتروني للدماغ electroencephalogram (EEG) أو الرنين المغناطيسي أو قياسات وظائف الكلية أو الطحال أو غيرها من وسائط التشخيص العصرية الأخرى.


أقدم ما وصلنا من أخبار الكلادريوس:

أول ذِكْرٍ لطائر الكلادريوس أتانا من الشاعر اليوناني هيبّوناكس Hipponax في القرن السادس قبل الميلاد، وهو الذي أشار إلى القدرات الشفائية لهذا الطائر وإلى قدرته على التنبؤ إن كان المريض سيشفى من عِلَّتِهِ بمجرد التحديق به. ولذا فقد كان مالكو هذا الطائر، وبائعوه على حدٍّ سواء شديدي الحرص على إخفائه بعيداً عن أعين العامة لكي لا يَفيدَ منه أي مريض مجاناً هكذا بغير مقابل. وقد استمر هذا االتقليد من الحرص الشديد عبر الأيام وصولاً إلى القرن الثالث عشر ضمناً في ذروة العصور الوسطى حيث كان الكلادريوس هو "الشيء الذي لا غنى عنه" sine qua non، ولكن سرعان ما آل على نحو دراماتيكي إلى “ مطلب نادر” rara avis مع بزوغ عصر الأنوار أو ما يُعْرَفُ بعصر النهضة الأوروبي Renaissance حيث تخلّى الإنسان عن اهتمامه "بالخرافيات" لصالح المنهج العلمي العقلاني في أنماط التفكير.
وقد وصلتنا أصداء المرويات القديمة عن الكلادريوس في متون المؤلَّفات الرمزية القَرَوَسَطية (أي من القرون الوسطى) عن الحيوانات وطبائعها Bestiaries المنسوخة أو المنقولة مراراً وتكراراً عبر العصور باليونانية واللاتينية والعربية. وقد أخذ هؤلاء النُسَّاخ أصلاً، فيما يبدو، عن كاتب يوناني في القرن الرابع الميلادي اسمهُ "الفِسيولوغوس" أي "الفسيولوجي أو الفيزيولوجي" على الرغم من أنهم تباينوا في وصفهم وأضافوا إلى هذه المرويات كلٌّ تِبْعَ قريحته. أما مصادر الفسيولوغوس هذا فكانت "أرسطوطاليس" (384 – 322 ق.م) الفيلسوف اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد وأستاذ الإسكندر الكبير و"بليني الأكبر" (23 – 79 م) المؤرخ الروماني في القرن الأول الميلادي وعن آباء الكنيسة وعن التقاليد الشفوية المتناقلة.
ولم تقتصر قدرات الكلادريوس على مجرد "التنبؤ" بمصير المريض وحسب، بل تَعَدَّتْها إلى قدرته على "انتزاع العلَّةِ" من بدن المريض وطيرانه ليأخذها بعيداً عنه باتجاه الشمس ليحرقها ويبددها مرة وإلى الأبد. وفي معرض حديثه عن قدرات الكلادريوس الشفائية، فالظاهر أن الفسيولوغوس التبست عليه الأمور بعض الشيء لأنه كان يخلط جزئياً بين طائر "الإكتيروس" icterus ** الأصفر اللون الذي ذَكَرَهُ "بليني الأكبر" في مؤَلَّفِهِ الشهير "التاريخ الطبيعي" Natural History وبين "الإكتيروس الآخر" الذي يدعوه "بليني" morbus regius أو "المرض الملكي" كما أوضحنا في حاشيتنا الثانية أدناه **.
ثمة إشارات كلاسيكية أخرى إلى الكلادريوس نجدها في كتاب أرسطوطاليس بعنوان " تاريخ الحيوانات" History of Animals وفي كتاب "الطيور" The Birds للكاتب المسرحي اليوناني "أرِسطوفانيس" Aristophanes (450 ؟ - 388 ؟ ق.م.) حيث يماهى الكلادريوس بطائر من بين طيور ضفاف الأنهار التي تبني أعشاشاً Nephelocococygia أو طائر "وقواق السّحَاب" بمعنى الغيوم.
بعد عصر الأنوار الأوروبي، أو ما يُعْرَف بعصر النهضة Renaissance، قذف علم الحيوانات Scientific Zoology بكتب المؤلفات الرمزية للحيوانات Bestiaries إلى الخارج بمعنى أنه أهملها وأبطل استخدامها ما أودى بالكلادريوس إلى عالم النسيان. وهكذا خرج الكلادريوس من على خشبة التاريخ مرة وإلى الأبد.


ما هو الكلادريوس من بين أصناف الطيور؟

ليس في علم الطيور أو ما يُعْرَفُ اليوم بالأورنيثولوجيا Ornithology طير يحمل اسم الكلادريوس!!؟؟ فهل يمكننا مماهاة الكلادريوس والتعرف عليه حقيقة الأمر بإحدى المسميات المعاصرة العلمية لنوع محدد بعينه من الطيور؟ هل هو أحد أصناف الحمام أم الحجل أم الببغاء أم خلافها؟
يَخْلُصُ العالِم الموسوعي الألماني كونراد فون غسنِر Konrad von Gesner) 1516-1560 م) في الفصل الذي يحمل عنوان "حول الطيور" De Avibus من كتابه "تاريخ الحيوان" Hisoria Animalium إلى أن الكلادريوس هو الكروان أو "كروان الحجر" stone curlew (بمعنى أنه يعيش بين الحجارة) والظاهر أن غسنر كان أكثر صواباً من أولئك الذين اقترحوا أن يكون الكلادريوس صنفاً ميثولوجياً هجيناً بين نورس البحر والببغاء والزقزاق والشُنْقُبْ (أو الجُهْلوْل وهو طائرٌ طويل المنقار) ونقَّار الخشب والذُعَرَة حيث هذا الأخير طائر صغير ذو ذنب طويل يرفعه ويخفضه على نحو انتفاضي وكأنه مذعور.
غير أن إجماع الرأي المعاصر الحالي يؤيد رأي غسنر فالكلادريوس أمكن تعريفه ومماهاته بكروان الحجر أو بطائر الحبارى الثخين الركبة واسمه العلمي باللاتينية Burhinus oedicnemus oedicnemus [الشكل2] والذي كان اسمه سابقاً Charadrius oedicnemus ذي العينين الصفراوين الكبيرتين وذي السلوك الغريب على الأرض نهاراً كمثل بقية أصناف عائلة الحبارى. فهو يتنقل على الأرض بوثبات قصيرة خفيفة الوقع. ويخفض رأسه أحياناً ويسحب رقبته ليبدو وكأنه مختلِس ومتسلل. ويمكن أن يؤدي إطراقات مفاجِئَة بجذعه ورأسه نحو الأرض ويرفع نصفه الخلفي وذنَبَه إلى الأعلى.
وتوحي عَيْنا الطائر الوسيعتان على نحو خاص بقدرته الفائقة على الإبصار ليلاً وأنه يتنقل ويتغذى ليلاً. وإن هذه العيون الصفراء اللون هي التي أعطته سمعته بالقدرة على شفاء اليرقان الأصفر بسحر تحديقها. غير أن هذه الميزة المزعومة للطائر أهملها الفسيولوغوس وأبقى على التأكيد على قدرته التشخيصية، دون العلاجية تاركاً هذه الميزة الأخيرة في مهب الريح.
ولكن، لماذا ردد القدماء أن هذا الطائر وُجِدَ في بلاط الملوك حتى أن المريض غالباً ما صُوِّرَ والتاج يعلو رأسه في مخطوطات العصور الوسطى؟
افترض بعضهم أن المؤرخ بليني الأكبر أطلق اسم المرض الملكي morbus regius على اليرقان [ الأشكال 4 و5 و6 و7 و8 ] لأنه غالباً ما كان يظهر في الحواشي الملكية من أمراء وأميرات وما إليهم. ومن جهة أخرى كان الذهب، وما زال، "ملك المعادن" كلها بلونه الأصفر المميز، وبالتالي فإن المرض الأصفر "الذهبي" أصبح المرض الملكي بالقياس والتشبيه؟! ولعل الحياة المترفة والمُتْخَمَة لأهل البلاط كانت تُنْتِجُ الحصى في المرارة وتُسْفِر عن انسداد المسالك البولية في قصور العصور الغابرة. وأكثر من ذلك، فإن التواجد معاً والاختلاط ضمن حوزة البلاط لأفراد الحواشي الملكية الكبيرة العدد وفَّرَت موطناً وبائياً ملائماً لانتشار فيروس التهاب الكبد الفيروسي viral hepatitis في مجتمعٍ منغلق أكثر مما حصل في المجتمعات المفتوحة التي نحياها اليوم.


ولربما كانت هذه الأسباب هي التي حملت بليني الأكبر مؤرخ البلاط للوصول إلى هذه الاستنتاجات.
والآن، هل يمكنك قارئي الكريم أن تتصور حالة الاهتياج التي قد تكون انتشرت في أنحاء إحدى القصور الملكية ذات يوم في سالف الأزمان؟ تخيل القلق البالغ لمدبر شؤون القصر الملكي، مقابل الفرحة الضمنية العارمة التي يُضْمِرُها ولي العهد المُرْتَقَب على أمل الفوز بالعرش. فعلى أريكة يستلقي جلالته وقد اتشح جسمه بلون المرارة الصفراء "الملكية" وقد بدت عليه ملامح الهدوء بالظاهر بينما يدرك في قرارة نفسه أنهم أرسلوا بطلب الطبيب المتخصص بالعلاج "الكلادريوسي" يستعجلون حضوره. عند بوابة القصر ثمة اهتياج وقلق غير اعتيادي. يَحضَرُ طبيب وبيده قفص مغطى. الحراس والخدم يتهامسون: لقد أحضروا الطيرَ للملك.

المصادر:

استفدنا في المادة العلمية لهذا المقال بشكل رئيس من سلسلة Abbottempo الطبية الأمريكية التي كانت تصدر في النصف الثاني من القرن المنصرم.

هوامش:
* وذلك تمييزاً له عن علم الفلك الحقيقي أو Astronomy الذي يدرس الظواهر الفلكية حسياً بعيداً عن منطق التنجيم.
** تعني لفظة icterus باللاتينية نفسها أيضاً "اليرقان" في الباثولوجيا Pathology أي علم الأمراض، أو الـ jaundice بالإنكليزية.
_____________

ملاتيوس جبرائيل جغنون

لا يوجد اعضاء
سجل

يستطيع أي أحمق جعل الأشياء تبدو أكبر وأعقد, لكنك تحتاج إلى عبقري شجاع لجعلها تبدو عكس ذلك.
صلحد
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,056


صلى عليه الالحاد وسلم


الجوائز
« رد #1 في: 22/01/2011, 12:19:08 »


.

جميل هو يحدق بي بثبات
سجل

fuck thise world who makes good men bad , or who makes the killers heros
استمع فقط
http://www.youtube.com/watch?v=MQ56h4ql8Dk
ارتباطات:
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
 |  في الإلحاد  |  في الميثولوجيا و الأديان  |  موضوع: هل سَيَبْرَأُ المريض أم سَيَموت؟ العِلْمُ عند الكَلادْرِيوس!؟ « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  

مواضيع مرتبطة الموضوع بدء بواسطة ردود مشاهدة آخر رسالة
فيلم المريض الإنجليزي
المسرح و السينما
zazato 0 2540 آخر رسالة 22/03/2009, 14:30:52
بواسطة zazato

free counters Arab Atheists Network
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها