|  في الإلحاد  |  في المادة و الوجود و الكون  |  موضوع: هل أُعدَّ الكون للحياة ؟ الوصول إلى وفاق مع المبدأ البشري « قبل بعد »
صفحات: [1] للأسفل طباعة
لم يتم تقييم الموضوع
الكاتب موضوع: هل أُعدَّ الكون للحياة ؟ الوصول إلى وفاق مع المبدأ البشري  (شوهد 5508 مرات)
ZIAD
اشراف عام المنتدى
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,673


The Universe in a Nutshell


الجوائز
« في: 07/01/2011, 02:11:58 »


ترى، كيف يرى عالم فيزياء وقوع حادثة طبيعية ما؟

إن أي فعل أو حادث يقع في الطبيعة إنما يحدث بنتيجة اجتماع بشكل ما لقوى أساسية أربع كامنة فيها: قوتا الثقالة1 (الجاذبية) والكهرطيسية2 المألوفتان في حياتنا اليومية؛ وإذا أضفنا لهما القوة النووية الشديدة3 (التي تمسك بنوى الذرات والجسيمات الأولية معاً)، والقوة النووية الضعيفة4 (المسؤولة عن أنماط معينة من التحلل الإشعاعي)، فلعلنا لا نغالي بالقول إننا قد استنفدنا ما في جعبة الطبيعة من قوى.

وثمة نقطة مهمة لا بد من إدراكها بشأن هذه القوى، وهي أنها تتباين في شداتها: إذ تستطيع قطعة مغنطيس تملأ راحة يدك، على سبيل المثال، أن تجذب مسماراً حتى ولو كانت الأرض بأكملها على الطرف الآخر منها تجذب المسمار بقوة ثقالتها. ربما يقنعنا هذا المثال بأن قوة الشد المغنطيسي لهذه القطعة هي أقوى القوتين السابقتين، وبدرجة كبيرة. ومع أنك قد لا تصدق الحقيقة التالية بعد أن ترفع وأصدقاؤك قطعة أثاث ثقيلة الوزن بصعود درجات السلالم إلى شقة في الدور الثاني، إلا أن قوة الثقالة، في واقع الأمر، هي أضعف هذه القوى الأربع. أما أقواها، كما قد تخمن من اسمها، فهي تلك التي تمسك ببنية نواة الذرة.

إن هذه المقدمة هي من قبيل التمهيد لأحد أكثر المبادئ رسوخاً وأكثرها جدلاً وخلافاً في علوم الكونيات المعاصرة - المبدأ البشري The Anthropic Principle. بموجز القول، يفترض هذا المبدأ، برأي بعض المفكرين والعلماء على الأقل، أن الكون هو على ما هو عليه لأننا موجودون فيه كي نراه ونعيه.

إن أحد الأساليب المتبعة للوصول إلى هذا المبدأ هو طرح التساؤل: "ماذا لو ...؟" عن قوى الطبيعة المذكورة آنفاً. فعلى سبيل المثال، لو كانت قوة الثقالة الأرضية أضعف بقدر 100 ألف مرة مما هي عليه لاستطاع لاعب كرة بيسبول بارع يرمي كرته بسرعة تبلغ 100 ميل في الساعة أن يقذفها بقوة كافية للتحرر من حقل الأرض الثقالي والإفلات في الفضاء. ولو استطعنا أن نجعل قوة الثقالة أضعف من ذلك بعدة مرات، لاستطعنا نحن أيضاً أن نسبح مع هذه الكرة في الفضاء بمجرد القفز. ومع أن هذا النوع من التساؤلات ربما يبدو فارغاً، إلا أننا إذا أسقطناه على النسخة القياسية من نظرية الانفجار العظيم للكون فلسوف نحصل على بعض الصور، أو الاحتمالات، المذهلة بمضامينها وآثارها.

بعد أن ترفع قطعة أثاث ثقيلة الوزن إلى شقة في الدور الثاني، عليك أن تذكر أن قوة الثقالة (الجاذبية) -  التي تمسك أيضاً بالكواكب في مداراتها حول نجومها، وبالنجوم في مجراتها، وبالمجرات في حشودها -  هي أضعف قوى الكون الأربع.
ربما يذكر القارئ أن الانفجار العظيم، كما تفترض النظرية، جرى على هذا النحو:
في مراحله الأولى، كان الكون يتألف من حساء كثيف حار يشتمل على العناصر الأولية المكونة للمادة. ومع مرور الزمن، توسع الكون وابترد كما تفعل الأشياء الكثيفة والحارة في واقع الأمر. وعند مراحل معينة وصلت درجات الحرارة الآخذة بالهبوط إلى قيم حرجة سمحت لمختلف العناصر المكونة لكوننا الحالي بالتكثف والتخلق من هذا الحساء الأولي، تماماً كما يتكاثف الصقيع من الهواء في صباح شتوي بارد. وعندما تجاوز عمر الكون الثلاث دقائق بقليل برزت نوى ذرات إشعاعات ضوئية معينة. وقبل أن يبلغ الكون مليونه الأولى من السنين، كانت المجرات والنجوم قد خطت أولى خطواتها نحو التشكل.

إن النقطة الحرجة هنا هي أن معدل توسع الكون في مراحله المبكرة تلك قد ارتكز على مبلغ شدة قوى الثقالة فيه. فلو كانت هذه القوى أضعف بقدر بسيط مما كانت عليه، لمضت عملية التوسع قدماً كما في مثال كرة البيسبول السابق، ولمضت عناصر وأجزاء الكون بالانتشار والابتعاد عن بعضها بسرعة تفوق كثيراً ما كانت عليه في الواقع، وهذا ما سيؤثر في تاريخ الكون اللاحق في نقطتين مهمتين على الأقل.

لقد ارتكز تشكل القوى الذرية مع نهاية الدقائق الثلاث الأولى على معدل تصادم البروتونات5 والنيوترونات6 ببعضها في ذلك الحساء الأولي. وهذا المعدل اعتمد بدوره على مبلغ كثافة الجسيمات فيه (كلما كانت أعلى كثافة، كانت الاصطدامات أكثر)، والكثافة اعتمدت بدورها على معدل توسع الكون الذي ارتكز على شدة قوة الثقالة. ولذلك، فلو كانت قوة الثقالة أضعف بقدر مهم في السابق لاختلف من ثم تشكل نوى الذرات عقب الانفجار العظيم.

وإذا ما انتقلنا زمناً بعمر الكون عدة ملايين من السنين، لرأينا أيضاً أن تكثف مادة الكون وتحولها إلى مجرات ونجوم يرتبط مباشرةً بقوة الثقالة الكونية أكثر من غيرها. وتفترض النظرية السائدة الآن أنه سيوجد في أي سحابة من الغبار الكوني أماكن تكون كثافة المادة فيها أعلى بقليل من مناطق أخرى مجاورة. وستطبق هذه المناطق (الأعلى كثافة) قوة جذب ثقالي على مناطق الجوار (الأقل كثافة)، لتجذب من ثم مادةً أكثر إليها، فتزداد كثافة وكتلة، فتزداد قوى ثقالتها، فتأسر مادة أكثر، وهكذا.

يقودنا سير هذه العلمية مع مرور الزمن إلى توقع نشوء المجرات وحشود المجرات التي نراها اليوم من عملية التكاثف الثقالية هذه (لا بد من الإشارة هنا إلى أن التفسير الدقيق لسير عملية نشوء المجرات هو أحد تلك الأسئلة الكبرى التي لم تزل دون إجابة بعد في علوم الكونيات).

أما إذا كانت قوة الثقالة أضعف بكثير مما كانت عليه، لأثّر ذلك في عملية تشكل النجوم والمجرات في وجهين:
الأول: إمكانية توسع الكون بأسرع مما حدث، ليؤدي ذلك إلى انتشار أضعف وأقل كثافة للمادة وهو ما سيزيد من صعوبة تجمعها بتأثير تجاذبها الثقالي.
الثاني: إن القوة المتاحة لتحقيق هذا التكتل، أو التكاثف، ستكون أضعف بكثير مما كانت عليه. وإذا كانت قوة التثاقل ضئيلة هكذا، فلن يكون ممكناً تشكل النجوم والكواكب مطلقاً.


لو كانت قوة الثقالة في قديم تاريخ الكون أضعف مما كانت عليه، لمضت عملية توسعه قدماً، ولابتعدت عناصره وأجزاؤه عن بعضها بأسرع مما كانت عليه، وهذا ما كان سيؤدي إلى انتشار ضعيف للمادة سيحد من تجمعها بتأثير تجاذبها الثقالي.
ولكن ماذا عن المثال النقيض، أي إذا كانت قوة الثقالة في الكون أقوى بكثير مما هي عليه؟ في هذه الحال، سيكون معدل توسع الكون أصغر كثيراً، حيث ستكبح قوة الثقالة داخلاً حركة التوسع الكوني إلى الخارج. إن حركة محتويات وعناصر مندفعة في كون هذه حاله ستكون أشبه بحركة كرة بيسبول تقذف على كوكب كالمشتري -  سيكون عليها أن تمضي وقتاً عصيباً وهي تنزع وتشد بعضها لتصبح حرة الحركة. وفي الحقيقة، سنرى أنه ليس يصعب إدراك حصيلة ذلك. أما لو كانت قوة الثقالة أكبر بقدر بسيط فقط مما هي عليه اليوم، لانتهت عملية التوسع وحسمت منذ زمن بعيد، ولانهار الكون على ذاته مثل بالون مثقوب. وفي هذه الحال أيضاً لن يكون هناك من نجوم أو كواكب.

هكذا توصلنا هذه التجارب الفكرية البسيطة إلى نتيجة مفاجئة، بل ومذهلة: ثمة مجال ضيق فقط من القيم التي يمكن أن تأخذها قوة الثقالة كي يخرج إلى الوجود كون مثل كوننا هذا. ومن جهة أخرى، إذا أخذنا بالحكمة التقليدية القائلة إن وجود النجوم والكواكب لازم وضروري لظهور الحياة وتطورها، لقادتنا هذه الجدلية إلى نتيجة أكثر غرابة وأكثر إدهاشاً: لو اختلفت شدة قوة الثقالة بقدر بسيط فقط، لما أمكن للحياة أن تنشأ وتتطور في الكون.

وكما استخدمت قوة الثقالة كمثال للوصول إلى هذه النتيجة، يمكنني أيضاً، وبشكل مماثل تماماً، التمثيل بأي من القوى الثلاث الأخرى. فتشكل نوى الذرات لم يكن ليستمر لو كانت القوة النووية الشديدة أضعف مما هي عليه. وبدلاً من التكاثف والنشوء من خليط من العناصر الكيميائية، لتكاثفت النجوم الأولى من الهيدروجين فقط، وهي حالة -  لو حدثت -  لكانت قد غيرت التاريخ الكيميائي للكون. أما إذا كانت القوة النووية الشديدة أقوى مما كانته، لاختلفت تماماً عملية تشكل العناصر، مثل الكربون، داخل النجوم؛ كما كانت ستختلف أيضاً أنماط النشاط الإشعاعي. هكذا نرى، مرة أخرى، أنه يوجد مجال ضيق نسبياً من القيم والحدود ليسمح بوجود الحياة.

بناءً على ما سبق، يبدو أننا نحيا في كون تبدو فيه ثوابت الطبيعة وقوانينها الأساسية "مضبوطة جداً" من أجل السماح بظهور الحياة، وربما الذكاء أيضاً. فإذا جربنا (فكرياً) محاولة تغيير أي من ثوابت الطبيعة الأساسية هذه فلسوف ننتهي إلى كون لا حياة فيه على الإطلاق.   

إن الكيفية التي يتجاوب المرء وفقها مع هذه الحقيقة المذهلة تعتمد، في رأيي، على رغبته المسبقة. من ذلك نرى أن الكثير من العلماء لا يقفون كثيراً عندها ويفضلون القول بأنها محض مصادفة. وقد نشأ خلاف حاد بين أولئك العلماء الذين يريدون أن يأخذوا الأمر بجدية أكثر بشأن ما يدعى بـ المبدأ البشري.

وقبل المضي قدماً، يجب القول إنه لا يوجد مبدأ بشري واحد فقط. وللحقيقة، فإنه ليس من قبيل المبالغة إذا قلنا إنه يوجد من الفرضيات عن هذا المبدأ بقدر عدد المؤلفين الذين يكتبون عنه. ومع ذلك، فإن هذه الفرضيات العديدة تميل للتجمع في معسكرين اثنين أطلق عليهما اسما الضعيف والقوي.

يعتقد بعض العلماء أننا نحيا في كون تبدو فيه ثوابت الطبيعة وقوانينها الأساسية "مضبوطة جداً" من أجل السماح بظهور الحياة ... وربما الذكاء أيضاً.

المبدأ البشري الضعيف

وفقاً للمبدأ البشري الضعيف، يبدو السؤال "لماذا تبدو قوى الطبيعة على ما هي عليه؟" ناقص المعنى إذا لم نقبل بوجود كائن عاقل يطرحه. وبعبارة أخرى، يقول هذا المبدأ: ليس كافياً أن نأخذ مضمون السؤال، بل يجب كذلك اعتبار حقيقة إن كان يسأل أصلاً. وفي أحد الأكوان التي ذكرت سابقاً كأمثلة -  عديم النجوم والكواكب والحياة -  ليس من مجال لطرح هذا السؤال، وذلك لعدم وجود من يسأله.

سأذكر مثالاً يمنحنا إدراكاً أفضل لهذه المسألة: إذا رمينا قطعة نقود معدنية، ستكون احتمالات وقوعها على وجه معين منها هي 50 بالمئة. لنرمها الآن عشر مرات متتالية: سنحصل على عدد معين من المرات للوجه الأول وعدد آخر للوجه الثاني (بالطبع، سنحصل إجمالاً على أعداد متساوية للوجهين). لنكرر الآن هذه الرميات العشر ألف مرة (ألف محاولة، كل منها عشر رميات). سنرى أنه يوجد الآن فرصة لأن نرى إحدى هذه المرات الألف وقد أظهرت وجهاً واحداً فقط في رمياتها العشر كلها. يمكنك بالطبع أن تحصر اهتمامك في هذه المحاولة فقط دون سواها، وتتساءل: لماذا حصلت على الوجه ذاته في عشر رميات متتالية؟. لكن هذا التساؤل يبدو عديم المعنى في حقيقة الأمر، فالمصادفة ستمنح الفرصة لسلسلة من عشر رميات كهذه بالحدوث عاجلاً أم آجلاً، وهذه الحقيقة لا تحتاج أي شرح أو تفسير مطلقاً. وبنفس الطريقة تماماً يجادل ويناقش بعض المعارضين للمبدأ الضعيف: فلقد حدث الأمر وانتهى و وجدنا في كون جاءت رمياته العشر كلها بوجه واحد، وكانت قوى الطبيعة فيه بذات القيم والحدود المناسبة تماماً لظهور الحياة.


لو جربنا محاولة تغيير أيٍّ من ثوابت الطبيعة الأساسية..فلسوف ننتهي إلى كون لا حياة فيه على الإطلاق


أعتقد أن معظم العلماء العاملين الذين يفكرون في هذه المواضيع يوافقون على نسخة ما من المبدأ البشري الضعيف. نعم أعتقد هذا. وبالفعل، يصعب تصور كيف يمكن لأي شخص أن يعترض على هذا المبدأ. ولكن من المهم أيضاً إدراك حقيقة أن المبدأ الضعيف لا يفسر شيئاً. إنه يعطي شكلاً من بريق خادع لحقيقة محيرة عن الكون الذي نحيا فيه. وإذا كنت من ذلك النوع من الناس الذي يقول بوجود هدف وراء كل شيء في الطبيعة، فإنك سترى أن هذا النوع من النقاش غير مرض. ولذلك ستكون في واقع الأمر أكثر تقبلاً  للمبدأ البشري القوي.


المبدأ البشري القوي

ينص هذا المبدأ، في صيغته الأبلغ، على أن الكون لا بد أن يكون قد أُعدّ وضبط مسبقاً من أجل أن تنشأ الحياة -  وأن الكون الذي نراه من حولنا هو، في واقع الأمر، الكون الممكن الوحيد الذي سمحت به قوانين الطبيعة. و وفقاً لهذه النسخة من المبدأ القوي، فالكون لا يسمح للحياة بالظهور فقط، بل يفرض عليها ويطالبها، بمعنى ما، بالتطور والتقدم والنمو.

وبوجه ما، يزودنا المبدأ البشري القوي بتفسير من نوع ما لهذا الكون الجيد الضبط والإعداد. إنه ينص على أنه يجب على كل كون أن يسمح بوجود الحياة. وكما رأينا قبل قليل، فإن هذا يفرض على القوى الرئيسة الأربع أن توجد وتفعل فعلها ضمن فسحة ضيقة فقط. ويبرز هنا المعارضون لهذا المبدأ ليقولوا إن هذا التفسير لا يعدو أن يكون استبدال سرّ ما (الحاجة إلى الحياة) بآخر (قوى الطبيعة المنظمة)، ويتساءلون: لماذا يجب أصلاً على كون ما أن يحتوي على الحياة؟ وهل أضفنا شيئاً إلى معلوماتنا بذكر الأمور وإيرادها بهذا الشكل؟


الكون لا يسمح للحياة بالظهور فقط...بل يفرض عليها ويطالبها بالتطور والتقدم


برأيي، يبدو المبدأ البشري القوي منطوياً على الكثير من الغموض كي يقدم قاعدة علمية جيدة. وثمة حقيقة تعزز هذا الشعور عندي، وهي أن أشد المدافعين عنه كان السيد آرثر إدينغتون7، الذي يمكن أن ندعوه سيد الإبهام العلمي. لكن مسألة كون المبدأ البشري القوي، أو الضعيف كذلك، يمثل قاعدة أو أساساً علمياً جيداً أم لا هي، باعتقادي، مسألة تستحق بعض الاهتمام.
إن الميزة الفارقة في العلم - الميزة التي تجعله مختلفاً عن ميادين أخرى كالنقد الأدبي مثلاً - هي مطالبته الدائمة بوجوب إخضاع جميع الأقوال والأفكار المتعلقة بالكون إلى التجربة، أو رصد ومراقبة الكون ذاته. إن أية فكرة، مهما بدت لامعة، لن يكتب لها النجاح والبقاء ما لم تصمد أمام هذا الاختبار. ولا أعتقد أنه من شطط القول التذكير بأنه ما لم تقبل نظرية ما الخضوع للاختبار التجريبي والعياني فإنها، وببساطة، ليست جزءاً من العلم أو المنهج العلمي.

ماذا لو سحبنا هذا المقياس على النسخ المتعددة للمبدأ البشري؟ كيف يمكن التحقق منها بنفس الطريقة التي يتحقق بها العلماء من نظريات وأمور أخرى، مثل القانون الثاني في الديناميكا الحرارية8 (الترموديناميك)؟.
وحيث أن هذه النظريات تعنى بخصائص وصفات الكون، توجد إذن طريقتان فقط يمكن بهما التحقق من ذلك. إحداهما ستكون، بالطبع، رصد ومشاهدة عدد كبير من الأكوان، ومعرفة ما إذا كانت جميعها تحوي حياة ما. وهذه طريقة ربما تبدو شيئاً ممتعاً في الخيال العلمي، لكنها بالتأكيد ليست أمراً ممكناً في العالم الحقيقي. أما الطريقة الأخرى، فتتمثل بتقديم نظرية يمكن تجريبها واختبارها، فتمكننا من التنبؤ ووصف الحوادث وحساب القيم والثوابت المرصودة في الطبيعة.

الميزة الفارقة في العلم هي مطالبته الدائمة بوجوب إخضاع جميع الأقوال والأفكار إلى التجربة والمراقبة. وليس من المبالغة القول بأنه ما لم تقبل نظرية ما الخضوع للتجربة فهي ليست علماً أو منهجاً علمياً.

لنفترض أن أحدهم يخط نظرية لكل شيء؛ نظرية يمكنها أن تفسر الكون كله وتوجزه في معادلة واحدة يمكن كتابتها على قميص تي -  شيرت. تقدم هذه النظرية تنبؤات لأشياء يمكن رؤيتها ورصدها، ومن ثم اختبارها بالطريقة العلمية التقليدية. وإذا تنبأت هذه النظرية أيضاً بقدر شدة قوى الطبيعة، فلربما يمكننا أن نفترض أننا قد تحققنا أخيراً من صحة المبدأ البشري.. حتى لو لم نر أبداً كوناً آخر.

لقد طال الأمد على المبدأ البشري كموضوع مثير للخلاف والجدل الفلسفي. وإذا ما بقي على حاله المضطربة هذه، فلا بد أن ينال عندئذ نصيبه من الراحة خارج مملكة العلم .      


هوامش للمترجم:

1- قوة الثقالة (الجاذبية) Gravity: قوة الجذب الطبيعية (والكونية) التي يطبقها جسم سماوي أو كوكب ما، كالأرض مثلاً، على الأجسام الأخرى على سطحه أو القريبة منه، بحيث يجذبها دوماً نحو مركزه. وهي أيضاً قوة الجذب بين أي جسمين كبيرين؛ وهي تتناسب مع كتلتيهما وعكساً مع مربع المسافة بينهما.
2- القوة الكهرطيسية Electromagnetism: هي قوة التفاعل بين أجسام مشحونة كهربائياً، وتفوق شدتها بكثير شدة قوة الثقالة.
3- القوة النووية الشديدة Strong nuclear force : قوة التفاعل الأساسية المتبادلة بين الجسيمات الأولية التي تسبب ترابط البروتونات والنيوترونات في نوى الذرات.
4- القوة النووية الضعيفة Weak nuclear force: إحدى القوى الطبيعية الأربع، وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي الناتج عن بعض نوى الذرات.
5- البروتون Proton: جسيم دون ذري، مستقر، موجب الشحنة الكهربية. تبلغ كتلته قدر 1836 مرة من كتلة الإلكترون.
6- النيوترون Neutron: جسيم دون ذري، حيادي الشحنة الكهربية، تبلغ كتلته قدر 1839 مرة من كتلة الإلكترون.
7- آرثر إدينغتون Eddington, Sir Arthur Stanley )1882-1944): عالم رياضيات وفيزياء وفلك بريطاني. أيد نظرية آينشتاين في النسبية، وله أبحاث في بنية النجوم وحركتها.
8- القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics: ينص على أنه إذا تركت كافة مادة الكون بحريتها وبمعزل عن أي تدخل خارجي، فإنها ستتجه مع مرور الوقت نحو حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

بـقلـم  :  جـيـمـس تريفيل
ترجمة:  حازم محمود فرج
عـن مـجلة Astronomy

المصدر : الباحثون العدد 42
سجل

يستطيع أي أحمق جعل الأشياء تبدو أكبر وأعقد, لكنك تحتاج إلى عبقري شجاع لجعلها تبدو عكس ذلك.
Mr.Palestine
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 1,465


تبا لنا!


الجوائز
« رد #1 في: 07/01/2011, 14:51:51 »

كما دائما مقالة مؤهلة للتربع على عرش معروضات المجلة في الصفحة الرئيسية، شكرا لك عزيزي

معلومتان جذبتا حبي للتعليق(ربما لحهلي او سجاذتي)

الأولى حول تكون النجوم التي نقلت بها:

وكما استخدمت قوة الثقالة كمثال للوصول إلى هذه النتيجة، يمكنني أيضاً، وبشكل مماثل تماماً، التمثيل بأي من القوى الثلاث الأخرى. فتشكل نوى الذرات لم يكن ليستمر لو كانت القوة النووية الشديدة أضعف مما هي عليه. وبدلاً من التكاثف والنشوء من خليط من العناصر الكيميائية، لتكاثفت النجوم الأولى من الهيدروجين فقط، وهي حالة -  لو حدثت -  لكانت قد غيرت التاريخ الكيميائي للكون. أما إذا كانت القوة النووية الشديدة أقوى مما كانته، لاختلفت تماماً عملية تشكل العناصر، مثل الكربون، داخل النجوم؛ كما كانت ستختلف أيضاً أنماط النشاط الإشعاعي. هكذا نرى، مرة أخرى، أنه يوجد مجال ضيق نسبياً من القيم والحدود ليسمح بوجود الحياة.

الم تتشكل النجوم في بادئ الأمر من الهيدروجين اولا؟
كل ما قرأته او استمعت اليه من محاضرات في هذا الخصوص ذكر تكاثف البروتونات والألكترونات الى ذرات هيدروجين اولا، ومن ثم تشكيل النجوم الأولى، ومن ثم طبخ المواد الكيميائية في تفاعلات نووية في قلب النجوم الملثهبة.

هل من تصحيح لجهلي  


اما النقطة الثانية فهي تعليق تنويهي لمقولة رأيت انها تستوجب التركيز، حيث نقلت:
ينص هذا المبدأ، في صيغته الأبلغ، على أن الكون لا بد أن يكون قد أُعدّ وضبط مسبقاً من أجل أن تنشأ الحياة -  وأن الكون الذي نراه من حولنا هو، في واقع الأمر، الكون الممكن الوحيد الذي سمحت به قوانين الطبيعة. و وفقاً لهذه النسخة من المبدأ القوي، فالكون لا يسمح للحياة بالظهور فقط، بل يفرض عليها ويطالبها، بمعنى ما، بالتطور والتقدم والنمو.

هناك اقتراحات حديثة تنضوي تحت رؤية ال Multi Universe ينص الى ان عملية نشوء الأكوان هي عملية عشوائية، مبنية بالطبع على قوى طبيعية، الا ان الأكوان المنتجة يمكن لها بدورها ان تنتج اكوان اخرى منبثقة منها

تحت هذا الأفتراض وبتسوع قليل فيه فان هناك تفسير ان تلك الأكوان التي تستطيع ان تتوسع وتكون العناصر النووية (بروتونات والكترونات) ومن ثم تكون النجوم والثقوب السوداء يمكنها وفي هذه الثقوب السوداء ان تولد المزيد من الأكوان الموازية.

كل من تلك الأكوان الموازية حسب افتراض ولادة الأكوان الموازية في الثقوب السوداء، تحتوي على نسخة معدلة من القوانين الطبيعية للكون الرئيس (الوالد)، وحسب ذلك الأفتراض يكون لنشوء الأكوان منحى تطوري شبيه بذلك الذي كون الحياة، الا ان نشوء الحياة تم كحادث عرضي على هامش تطور الأكوان.

وبذلك يمكن تفسير ثوابت قيم قوة قوى الطبيعة في كوننا



الا انه وعودة الى موضوع المقالة الرئيسية اسمح لي ان اوفق الكاتب في النقطة الرئيسة التي ارى ان كل المقال كتب من اجلها:

الميزة الفارقة في العلم هي مطالبته الدائمة بوجوب إخضاع جميع الأقوال والأفكار إلى التجربة والمراقبة. وليس من المبالغة القول بأنه ما لم تقبل نظرية ما الخضوع للتجربة فهي ليست علماً أو منهجاً علمياً.

لقد طال الأمد على المبدأ البشري كموضوع مثير للخلاف والجدل الفلسفي. وإذا ما بقي على حاله المضطربة هذه، فلا بد أن ينال عندئذ نصيبه من الراحة خارج مملكة العلم .


تحية اجلال وتقدير  Rose




« آخر تحرير: 07/01/2011, 14:55:16 بواسطة Mr.Palestine » سجل

القهر: من الجذر الثلاثي قهر، بمعنى اتم انتزاع كل قدرة على الفعل، او شوى اللحم على النار فأسال ماءه!
ZIAD
اشراف عام المنتدى
عضو ماسي
*****
غير متصل غير متصل

رسائل: 1,673


The Universe in a Nutshell


الجوائز
« رد #2 في: 08/01/2011, 02:50:23 »

تحياتي ...

اقتباس
الم تتشكل النجوم في بادئ الأمر من الهيدروجين اولا؟
كل ما قرأته او استمعت اليه من محاضرات في هذا الخصوص ذكر تكاثف البروتونات والألكترونات الى ذرات هيدروجين اولا، ومن ثم تشكيل النجوم الأولى، ومن ثم طبخ المواد الكيميائية في تفاعلات نووية في قلب النجوم الملثهبة.

هل من تصحيح لجهلي

بعد الانفجار العظيم ، عندما انخفضت درجة حرارة الكون نسبياً إلى حد سمحت بتشكل الهيدروجين ( بنسبة 75% ) بالاضافة إلى العناصر الخفيفة الاخرى الهيليوم ( ثاني اكثر العناصر وفرة نحو 24% ) والهيليوم -3 و ( الدوتريوم - هيدروجين له نوترون اضافي ) ويعتبر من اهم العناصر في البداية ، فهو مسؤول عن سلسلة من التفاعلات السريعة ، يكون هو اول مرحلة بالسلسلة ، والليثيوم والبريليوم ، وهذه العناصر هي التي كونت السحب الغازية التي بدورها كونت النجوم ، ثم تولت النجوم المهمة بتثقيل العناصر .

لاحظ Era of Nuclei :


يمكن مراجعة :
كتاب الدقائق الثلاثة الاولى في عمر الكون - ستيفن وينبيرغ - ص 118 إلى 130 .
Big Bang nucleosynthesis
BigBang

اقتباس
هناك اقتراحات حديثة تنضوي تحت رؤية ال Multi Universe ينص الى ان عملية نشوء الأكوان هي عملية عشوائية، مبنية بالطبع على قوى طبيعية، الا ان الأكوان المنتجة يمكن لها بدورها ان تنتج اكوان اخرى منبثقة منها

تحت هذا الأفتراض وبتسوع قليل فيه فان هناك تفسير ان تلك الأكوان التي تستطيع ان تتوسع وتكون العناصر النووية (بروتونات والكترونات) ومن ثم تكون النجوم والثقوب السوداء يمكنها وفي هذه الثقوب السوداء ان تولد المزيد من الأكوان الموازية.

كل من تلك الأكوان الموازية حسب افتراض ولادة الأكوان الموازية في الثقوب السوداء، تحتوي على نسخة معدلة من القوانين الطبيعية للكون الرئيس (الوالد)، وحسب ذلك الأفتراض يكون لنشوء الأكوان منحى تطوري شبيه بذلك الذي كون الحياة، الا ان نشوء الحياة تم كحادث عرضي على هامش تطور الأكوان.

وبذلك يمكن تفسير ثوابت قيم قوة قوى الطبيعة في كوننا
أظنها تستند لفكرة التضخم الابدي لـ ليند أو على الاقل فهي على غرارها ، احدى مشكلات هذه النظريات أنها كثيرة الافتراضات التي ليس هناك ما يؤكدها وأنها لا تقترح تجارب ممكنة والأهم انها تقذف بكرة " البداية " أبعد وأبعد ... إلا أن فكرة ( الداروينية الكونية ) مثيرة للاهتمام فعلا .

سيكون لنا عودة لموضوع الـ multiverse بشريط آخر .

 Rose
سجل

يستطيع أي أحمق جعل الأشياء تبدو أكبر وأعقد, لكنك تحتاج إلى عبقري شجاع لجعلها تبدو عكس ذلك.
المتفرج
عضو جميل
**
غير متصل غير متصل

رسائل: 63


الحب للجميع ولا كراهيه لأحد


الجوائز
« رد #3 في: 01/05/2011, 13:35:06 »

شكرا على الموضوع الحلو المفيد Rose
سجل

طالما ان الاسود لاتملك مؤرخين خاصين بها....ستظل حكايات الصيد تمجد الصيادين وحدهم...مثل افريقي
ارتباطات:
صفحات: [1] للأعلى طباعة 
 |  في الإلحاد  |  في المادة و الوجود و الكون  |  موضوع: هل أُعدَّ الكون للحياة ؟ الوصول إلى وفاق مع المبدأ البشري « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


free counters Arab Atheists Network
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها